حين تُختزل الثقافة في الواجهة

ليست أزمة الثقافة اليوم في قلة الكتب، ولا في ندرة المؤلفين، ولا في غياب دور النشر، بل في هذا التضخم الذي جعل السوق الثقافي مزدحمًا بالعناوين والأسماء والإصدارات، حتى صار الكتاب يُنتج أحيانًا بسرعة تفوق قدرته على النضج، ويُطرح في الأسواق قبل أن يكتمل فيه المعنى أو تستقيم فيه اللغة. ومع كثرة الكتب وكثرة المؤلفين وتعدد دور النشر، أصبح المشهد أكثر صخبًا من أن يكون أكثر عمقًا، وأكثر امتلاءً من أن يكون أكثر جودة. لقد صار إصدار الكتاب في كثير من الأحيان رخيصًا إلى حدٍّ يسهّل التكرار ويغري بالاستعجال، وتوالت العروض والتخفيضات والإعلانات حتى غدا الكتاب سلعةً تُسوَّق كما تُسوَّق أي بضاعة أخرى، لا ثمرة جهد معرفي طويل. وفي ظل هذا السباق، لم تعد القيمة تُقاس بمتانة الفكرة أو سلامة الصياغة، بل بسرعة النشر وكثرة الظهور وحجم الضجيج المصاحب للإصدار. وأمام هذا المشهد، تراجعت الجودة لحساب الكثرة، وازدادت الأخطاء اللغوية والمنهجية والفكرية في كثير من الإصدارات، حتى بات القارئ يواجه كتبًا كثيرة لا تمنحه ما يستحق القراءة المتأنية. فليس كل ما طُبع صالحًا لأن يُقرأ، وليس كل ما حمل اسم مؤلف أو دار نشر جديرًا بالثقة. إن الخلل يبدأ حين يصبح النشر غاية في ذاته، لا وسيلة لإنتاج معرفة رصينة، وحين تُقدَّم الواجهة اللامعة على حساب المضمون المتين. المثقف الحقيقي لا يقيس حضوره بعدد ما يصدر له من كتب، ولا بعدد ما يحيط به من عروض وترويج، بل بما يضيفه من قيمة وما يتركه من أثر. فهو يدرك أن الكتاب ليس مجرد غلاف جميل أو عنوان لافت أو سعر منخفض، بل مسؤولية فكرية وأمانة علمية، لذلك يحرص على الدقة، ويصبر على المراجعة، ويمنح النص حقه من التهذيب والتنقيح، لأن الثقافة التي لا تحترم الجودة تتحول سريعًا إلى تراكم شكلي لا يورث إلا الازدحام. ومن المؤسف أن كثرة الإصدارات لم تُنتج دائمًا وفرة في المعنى، بل أفرزت في أحيان كثيرة وفرة في التكرار، وضعفًا في التحرير، وتسرعًا في الطرح، حتى اختلط الجيد بالرديء، وغابت الفروق بين العمل الجاد والعمل المستعجل. وهنا تصبح مسؤولية القارئ والناقد والناشر أكبر من أي وقت مضى، لأن حماية الثقافة لا تكون بكثرة ما يُنشر، بل بتمييز ما يستحق البقاء مما لا يستحق سوى المرور العابر. إن الثقافة لا تنهض بكثرة الكتب وحدها، بل بما تحمله هذه الكتب من صدق وإتقان ووعي. فإذا كثرت المؤلفات، وتعددت دور النشر، ورخصت قيمة الإصدار، وتوالت العروض، بينما غابت الجودة وكثرت الأخطاء، فإن المشهد كله يحتاج إلى مراجعة جادة تعيد للكتاب مكانته، وللمعرفة هيبتها، وللثقافة معناها الحقيقي بوصفها فعلًا يبني الوعي، لا مجرد إنتاج متسارع يملأ الرفوف ولا يضيف إلى العقول.