(١) البحث بالإغواءأرسل لي أحد الأصدقاء غلاف كتاب (جلوات سدير) متسائلاً: هل قرأت هذا الكتاب؟ قد يهمك. قلت له: نعم يهمني، ليس تعنصراً ولكن اهتماماً بالجذور الثقافية والاجتماعية لهجرات أهل نجد قبل قيام هذه الدولة المباركة، واستتباب الأمن الاجتماعي فيها بإنشاء المؤسسات الحاكمة، ثم لاحقاً الأمن الاقتصادي مع ظهور النفط. فجزى الله الملك المؤسس عنا خير الجزاء.بحثت عن الكتاب عند مكتبة جرير وعند غيرها فلم أجده. اتصلت بالمكتباتي الشهير الأستاذ سليمان الوايل، صاحب المكتبة التراثية بالرياض، قلت له «وأنا أحاول إغواء قصيمي.. وأنّى لسديراوي أن يغوي قصيمياً!»: هذا كتاب عن إنثروبولوجيا الهجرات القديمة من إقليم سدير، وهو غير موجود في كل المكتبات، فليتك تستفرد بجلبه إلى مكتبتك.لم يتردد الصديق العزيز في لطف الاستجابة للطلب، ومن الغد اتصل بي وقال: هل تصدق إن الناشر مسعّر الكتاب بـ٥ دنانير كويتية، يعني أكثر من ٦٠ ريالاً، من سيشتري كتاباً صغير الحجم محدود الصفحات بهذا السعر؟!الحقيقة أن السعر مفاجئ حقاً عطفاً على حجم الكتاب ونوع الورق، ولذا طلبت من الأستاذ الوايل أن يتكرم بشراء ١٠ نسخ فقط، وسأضمن له ١٠ سديراوية يشترونها منه.وصل الكتاب إلى (المكتبة التراثية) وذهبت لاقتناء النسخة الأولى منه.**media[2729554]**(٢) رواية كويتية عن سدير أخذت الكتاب بحرص وحماس ووعدت نفسي بعدم وضعه في السرا ضمن قائمة الكتب المعدة للقراءة بل إعطاؤه أولوية، ذلك أني مؤمن بأن الهجرات من سدير إلى خارج الجزيرة العربية، أو إلى أطرافها، لم تُعطَ الاهتمام الكافي من التتبع والدراسة والنشر كما حصل مثلاً مع رحلات (عقيلات القصيم).لأول وهلة تبين لي أن الكتاب ليس كتاباً وصفياً أو تحليلياً، بل هو عبارة عن رواية تحكي «قصة هجرة سبعة أولاد من شمال نجد إلى الكويت سنة ١٨٩٥م» (١٣١٢هـ). وهذه ليست غلطة المؤلف بل الناشر الذي كان يجب أن يضع على غلاف الكتاب كلمة (رواية) كما يفعل الناشرون عادةً.هذا الخطأ التصنيفي لم يمنعني من قراءة الرواية والاستمتاع بها، فقد استطاعت الروائية الكويتية منيرة العيدان @monirah_aleidan حشد روايتها بالكثير من التحليلات الاجتماعية التي دفعت أولئك الشباب السديراويين إلى شغف الهجرة نحو الكويت، كما أثرتها بكثير من الحمولات الثقافية السائدة في المجتمع النجدي قبل قرابة ١٣٠ عاماً.استطاعت الكاتبة القديرة أن تكنز كتابها الصغير بالكثير من ملامح التراث الشفوي للإقليم النجدي.سنلاحظ أن تاريخ جلوات أبطال الرواية هو (١٣١٢هـ/ ١٨٩٥م) أي قبل فتح الملك عبدالعزيز للرياض بسبعة أعوام فقط، حيث انطلقت بعدها رحلة توحيد المملكة حتى تأسيسها بشكلها المتكامل الراهن عام ١٣٥١هـ/ ١٩٣٢م، وبدء عصر الاستقرار والازدهار. ما يعني بأن تلك الجلوة قد تكون هي آخر جلوة من سدير إلى الدول المجاورة، ولماذا أقول «الدول المجاورة»؟لأن القارئ البسيط لهذا الكتاب قد يظن بأن جلوات سدير كانت إلى الكويت فقط، بينما لم تكن الكويت الوجهة الوحيدة، كما لم تكن الوجهة الأكثر استقطاباً.لقد بدأت جلوات أهل سدير قبل أكثر من ٣٠٠ عام لأسباب معيشية (قحط وجوع وأمراض) ثم ازدادت في بعض بلدات سدير تحديداً لأسباب سياسية بعد مجئ الدعوة الإصلاحية.وكانت الجلوات نحو وجهات متعددة، وأتت الكويت في المرتبة الثانية بعد الزبير (العراق) التي اشتهرت باستقطاب كثير من الأسر النجدية على مدى ثلاثة قرون في جلوات متفاوتة زمنياً وعددياً وسببياً.**media[2729551]**(٣) جلوات حَرْمَة والمعروف والمشتهر بين الباحثين والمهتمين أن غالبية أهل الزبير هم من بلدات سدير، وغالبية هؤلاء السديراويين جاؤوا من بلدة (حَرْمة) التي كانت قبيل الدعوة الإصلاحية إحدى أهم المنارات العلمية والثقافية في نجد، حسب حديث المؤرخ القدير د. أحمد البسام https://m.youtube.com/clip/UgkxcGqDTNGVIReOxOuZzscXX0-Ko45nZe0R?ra=m ولذا كان من الطبيعي أن يتولى مشيخة الزبير ورئاستها خلال كثير من تاريخها بعض أسر حرمة العريقة كآل عون المدلجي وآل السميط.وعدا الذين هاجروا من سدير إلى الكويت مباشرة (وجلّهم من الزلفي) فإن بعض الأسر السديراوية التي هاجرت إلى الزبير قد غادرتها، بعد أن مكثت فيها ردحاً من الزمن، إلى الكويت، ولم تعد إلى نجد كما فعلت أسر الزبير. ومن أشهر تلك الشخصيات الداعية الكبير الدكتور عبدالرحمن السميط الذي هاجرت أسرته من بلدة حرمة إلى الزبير ثم من الزبير إلى الكويت واستقرت هناك حتى اليوم. وكذلك أمير شعراء النبط محمد بن لعبون الذي هاجر والده المؤرخ حمد بن لعبون من حرمة إلى التويم، ثم هاجر الابن الشاعر لاحقاً إلى الزبير ثم الكويت وتوفي بها. وقد رصد الباحث سليمان التركي في مقالة منشورة أسماء ثمانية وزراء كويتيين، سابقين وحاليين، أصولهم من بلدة حرمة بسدير.وذكر لي رئيس مركز «حَرْمة» الآن الأستاذ سعود الماضي أن أبرز الذين هاجروا من حرمة إلى الكويت مباشرة هو التاجر الشهير محمد بن حسين بن رزق وابنه أحمد، وكان قدومه للكويت في حدود عام ١٧٥٠م/ ١١٦٣هـ، ويقال إنه كان له دور أساسي في تأسيس القرين.والشاهد، حتى لا أطيل كثيراً، أن بلدة حَرْمة كانت عنصراً أساسياً في جلوات سدير إلى الزبير والكويت، إذ تذكر بعض المصادر أن ٨٠ أسرة قد جلوا من بلدة حرمة في ليلة واحدة من عام ١١٩٣هـ، إلى بلدات سدير المجاورة وإلى بعض بلدات القصيم وإلى الزبير والكويت والبحرين عبر الأحساء.شكرا للروائية الكويتية منيرة العيدان التي خلقت بروايتها فرصة لبث هذه الخواطر، حتى يصدر الجزء الثاني الموعود من روايتها.أدام الله على الشقيقتين السعودية والكويت أسباب الازدهار والاستقرار. * د. زياد بن عبدالله الدريسأمين عام مركز عبدالله بن إدريس الثقافي