من المفترض أن تشهد الساعات أو الأيام القليلة المقبلة توقيع مذكرة التفاهم الأولية لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. ورغم أن نبرة التفاؤل تبدو عالية وواثقة من بدء حقبة جديدة في الإقليم، تبقى حالة عدم اليقين ملازمة لهذا المسار حتى يصبح توقيع الاتفاق فعلاً منجزاً ووثيقة رسمية.ومن السابق لأوانه أيضاً الاعتقاد بأن هذه المذكرة تعني إنهاء الخلاف الجذري بين واشنطن وطهران، أو أنها تمثل اتفاقية سلام دائم، ولكنها ستكون، بلا شك، تحولاً كبيراً في مسار الصراع وقد تخرجه من مسرح المواجهة العسكرية إلى طاولات المفاوضات والآليات الدبلوماسية السلمية. وإلى الآن ما زال المشهد يشوبه الغموض بالنظر إلى التصريحات المتناقضة والتلاسن الإعلامي بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين، وهو أمر مفهوم لأن كل طرف يسعى لفرض سرديته أمام رأيه العام الداخلي لإيجاد أرضية تسمح له بتمرير هذا الاتفاق الصعب دون الظهور بمظهر الطرف «المتنازل» أو الضعيف.وبينما يحتاج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التأكيد على أن الاتفاق تم ب«شروطه هو» وتحت الضغط الأقصى، وليس تقديم تنازلات، تتعمد إيران تصوير الاتفاق كإنجاز يكسر الحصار الاقتصادي، ويدفع الولايات المتحدة إلى رفع تجميد الأرصدة المليارية وتخفيف العقوبات. وتفسير هذين الخطابين اللذين يبدوان متباينين ظاهرياً أن غموضهما الملاحظ مقصود ومحسوب، لأنه يمنح الطرفين مساحة للمناورة تسمح لكل منهما بإدارة الأزمة داخل حدوده في واشنطن وطهران، وربما يشكل ذلك غطاء سياسياً يحمي الاتفاق من الانهيار ويوصله إلى اللحظة الحاسمة بالتوقيع المعلن والملزم للطرفين.الاتفاق المنتظر بين واشنطن وطهران لا تخص نتائجه البلدين فقط، بل تتجاوزهما إلى المنطقة وفي صدارتها دول الخليج العربية التي تجد نفسها في قلب ارتدادات هذا التفاهم، وتنظر إليه بمزيج من الترقب الحذر والفرص الجيوسياسية والاقتصادية الجديدة، وسط آمال بأن تعود الأوضاع إلى سالف عهدها وربما أفضل مما كان قبل الحرب، وهو ما يتماشى مع تطلعات دول الخليج، وبينها دولة الإمارات، التي تنظر إلى المستقبل بعين الاستقرار الإقليمي والروابط الاقتصادية المتينة، والردع القادر والموثوق، ساعيةً لتحويل التهديدات السابقة في المنطقة إلى فرص واعدة للتنمية والازدهار المشترك.الرهان الرئيسي لنجاح هذا المسار بين الولايات المتحدة وإيران سيتوقف على معرفة بنود الاتفاق المزمع التوقيع عليه، ثم متابعة تنفيذه، ويؤمل أن يتضمن توافقاً بين كل الأطراف ذات الصلة بالأزمة وليس مجرد صفقة بين طرفين تتجاهل الهواجس المشروعة لبقية القوى الفاعلة في المنطقة، ما يجعل من شمولية الطرح الضمانة الوحيدة لعدم انتكاس التهدئة الحالية ووصولها إلى اتفاق سلام دائم وحيوي.وتطلعات دول المنطقة العربية تتجاوز مجرد رغبة واشنطن في إغلاق ملفات ساخنة أو مساعي طهران إلى الخروج من عزلتها الدولية الطويلة، بل تهدف إلى صياغة منظومة أمن جماعي تضمن كبح الأنشطة المزعزعة للاستقرار على كافة الجبهات، وتسمح بإعلاء مبادئ العيش المشترك وحسن الجوار والتفاعل البناء مع كل الشعوب الأصيلة، التي عاشت معاً قروناً طويلة، وستظل كذلك، وهو ما يفرض تحويل هذه اللحظة التاريخية من مجرد تسوية سياسية عابرة إلى حجر زاوية لبناء مستقبل مستدام للجميع.