يعد "قصر مارد" الواقع على تل صخري مرتفع شرقي مدينة عين بن فهيد بمحافظة الأسياح -شرق منطقة القصيم- واحداً من أبرز المعالم الأثرية والتاريخية في المملكة، حيث يمتد تاريخ بنائه المرجح إلى القرن العاشر الهجري، وقد شيّد القصر ما يعرف بسلطان مارد كحامية عسكرية في العصر العباسي؛ لحماية الحجاج، على مساحة مربعة يبلغ طول ضلعها 40 متراً، متميزاً بأسواره الخارجية المبنية من أحجار صلبة سوداء اللون بسمك متر واحد وبوابته الرئيسة المطلة غرباً على إحدى رياض عين بن فهيد، وقد استخدم الجص المحلي في البناء والكسوة، ليعكس بذلك فنون العمارة التقليدية في تلك الحقبة. وبعد عقود من الزمن تعرض فيها القصر لعوامل التعرية والإهمال والاعتداءات البشرية، بفعل شائعات البحث عن الكنوز تحت أسواره، وتحركت الجهات ذات العلاقة لإنقاذ هذا المعلم الأثري، حيث قامت بإحاطته بسياج وتوفير الحراسة اللازمة قبل أن تسرع هيئة التراث في إعادة بناء وتأهيل القصر، وقطع المشروع شوطاً مهماً في البناء والتعمير، ليصبح وجهة سياحية بارزة على خارطة التراث الوطني، وقد أوضحت لوحة المشروع أنه سلم منتصف العام الماضي وبتكلفة حوالي أربعة ملايين ريال. وفي سياق متصل أوضح فرع هيئة التراث بمنطقة القصيم لـ"الرياض" أن القصر يمثل قيمة استراتيجية تعكس تاريخ الاستقرار والعمران في المنطقة، ويعد نقطة جذب ثقافية واقتصادية لمحافظة الأسياح ولمنطقة القصيم عموماً، وأكدت الهيئة أن المشروع يهدف إلى الحفاظ على أصالة القصر وهويته التاريخية دون المساس بعناصره الأصلية معتمدة، في ذلك على دراسات توثيقية ومنهجيات علمية دقيقة في الحفظ والصون. وحول طبيعة العمل الميداني أوضحت الهيئة أن أعمال الترميم تعتمد على مواد تتوافق مع الطابع الأصلي للقصر مع معالجة التحديات الإنشائية عبر تدخلات مدروسة تضمن تعزيز استقرار الهيكل القائم، مع مراعاة الظروف الجوية والحفاظ على الطابع الأثري البصري، وتتبع الهيئة منهجية مرحلية في التنفيذ تضمن أولوية الحفظ قبل الانتقال إلى مراحل التجهيز لاستقبال الزوار. وعن الخطط المستقبلية بعد اكتمال الترميم أشارت الهيئة إلى أن القصر سيفتح أبوابه للجمهور عبر مراحل تدريجية ليساهم في دعم الأنشطة الثقافية ورفع الوعي المجتمعي بالتراث الوطني وتنشيط الحركة السياحية بما يخدم المنطقة ثقافيا ومعرفيا. وفي سياق آخر، يحمل القصر في طياته قصصاً تاريخية محفورة في ذاكرة المنطقة، لعل أبرزها ملحمة الشرف الكبرى التي فجرت نيران الحرب بين سلطان مارد وعدد أبناء البادية الذين جاوروه طلبا للماء، وتقول الروايات أن سلطان مارد طمع في فتاة متزوجة تدعى "ميثاء الضيغمية" محاولاً اتخاذها سبية من بين يدي زوجها وأبناء قبيلتها الذين تظاهروا بداية بالخضوع ليعيدوا ترتيب أوراقهم ويهربوا بها تحت جنح الظلام، وما أن اكتشف السلطان حيلتهم صباح اليوم التالي حتى استشاط غضباً وحرك جيشاً، وعند منطقة الصريف التي تبعد حوالي 25كم عن القصر، وقعت هناك ملحمة بطولية استمرت يوم كامل من بزوغ الشمس حتى مغيبها، حيث وقفت حفنة من المقاتلين مدفوعين بكرامتهم وهاجس الدفاع عن الشرف، ليتمكنوا في النهاية من إبادة جيش مارد بالكامل ولم ينجو منهم إلاّ من هرب أو اختبأ، وانهوا بذلك سلطة وسلطان هذا المارد.