بَـاقـِعَـــة

تطالعنا في العربية تاءٌ فريدة، لا تفرّق بين ذكر وأنثى، ولا تنشغل بجنس الموصوف بقدر ما تحتفي بما بلغه من إتقان وتمكن وتفرّد، تنتقل بالموصوف من رتبة البشر العاديين إلى مصاف النوابغ الفطاحل والمتميزين، لطالما ارتبطت «التاء المربوطة» في الأذهان بوظيفة تقليدية هي «التأنيث»، ولكن اللسان العربي منح هذا الحرف وظيفة مخصصة عند دخوله على المذكر؛ وظيفة لا تؤنث اللفظ، بل تمنحه وصفًا مخصصًا فتغدو التاء أداةً للتفرد. في الميزان الصرفي، يُطلق على هذه التاء اسم «تاء المبالغة»، وهي تاء تلحق بآخر بعض أوصاف المذكر للدلالة على المبالغة وبلوغ الغاية في الصفة، والفرق بينها وبين تاء التأنيث حاسم وجلي؛ فبينما تأتي تاء التأنيث للتفريق بين الجنسين «فنقول: صائم وصائمة»، تأتي تاء التفرد لتدخل على اسم المذكر لتصفه ببلوغ الغاية في صفته، مع بقائه مذكراً في اللفظ والمعنى والوصف «فنقول: رجلٌ علّامة، ورجلٌ راوية، وداعية.....». عندما نقول عن رجل إنه «عَالِم»، فنحن نثبت له صفة العلم والمعرفة، وهو وصف يشترك فيه آلاف البشر. لكن، حين تتدخل اللغة بعبقريتها وتصيغ من المادة نفسها كلمة «عَلّامة»، فإن التاء هنا تقطع الشراكة، وتعلن أن هذا الرجل قد بلغ في العلم منزلةً رفيعة جعلته مرجعاً فيه وانفرد به عن أقرانه حتى بلغ فيه مبلغًا فريدًا. إذا تأملنا الكلمات التي اصطفتها العرب لتلحق بها تاء التفرد، لوجدناها تدور دائماً حول التفوق النوعي وبلوغ غاية مرادة بعينها، فهي تستخدم «علّامة، فَهّامة» للإشارة إلى المرء الذي أصبح موسوعة تمشي على قدمين وانفرد بدقائق العلوم وحقائق الفهم، و»نَسّابة» لمن انفرد بإحصاء الأنساب والدراية بهذا العلم الدقيق في أصوله وفروعه. و»راوية» لمن تفرد بالحفظ والنقل فصار هو القناة الموثوقة لثقافة المجتمع. وقد وظف الشعراء هذه التاء لإبراز شدة تفردهم بحفظ القوافي ونقلها، كقول الشاعر الأعشى الميمون: فَإِنّي، وَالمَصِيفَ، وَكُلَّ شَيءٍ .. لَرَاوِيَةٌ لِقَافِيَةٍ شَرُودِ وفي فقه الدعوة، هناك فرق بين «الداعي» و»الداعية»، فالداعي هو من يدعو إلى فكرة ما بجهد محدود، أما حين يصبح ديدن المرء نشر النور، ويمتلك من البلاغة والحجة ما ينفرد به عن غيره في التأثير، تصفه اللغة بـ»الداعية» لتدل على مبالغة نوعية في تميزه وإخلاصه لدعوته. وتشير اللغة إلى من تفرد بالذكاء والدهاء بـ»باقعة وداهية»: ويُطلق اللفظان على الرجل البالغ الغاية في الذكاء، والقدرة على حل المعضلات والإتيان بالأمور العظيمة الشديدة التي تعجز عنها عقول الأقران. ومع تداخلهما، إلا أن اللسان العربي يلحظ فارقاً دقيقاً بينهما؛ فـ»الداهية» مشتقة من الدهي وهو الأمر العظيم النوازل، وتُطلق على صاحب الفطنة والتدبير الرفيع في السياسة والحرب والخصومات. أما «باقعة» وهو عنوان مقالنا «أصلها من الطائر الحذر الذي يشرب من بقع شتى خوفاً من الفخاخ»، ففيها ملحظ إضافي من الحذر الشديد، وقوة التجربة، واليقظة والدهاء المقترن بالخداع والتحايل، فهو الرجل الذي لا يمكن اصطياده أو خداعه أبداً. وقد استخدمها العرب هجاءً أو مدحاً للدلالة على هذا التفرد في اليقظة، كقول الشاعر العباسي ابن الرومي مبرزاً دهاء خصمه: أَلَا أُنْبِئْتُ أَنَّ أَبَا كُلَيْبٍ .. بَاقِعَةٌ يُسَرُّ وَيُسْتَشَارُ عُضُّ بِكَفِّهِ طَمَعاً وَيَغْذُو .. كَأَنَّ فُؤَادَهُ نَارٌ تُشَارُ والمبالغة التي تصنعها تاء التفرد ليست مبالغة «كمية» مجردة «أي فعل الشيء بكثرة عدديّة فقط»، بل هي مبالغة نوعية؛ فالداعية أو الباقعة ليس من يكثر الكلام أو الحيلة فحسب، بل من تحولت الصفة لديه إلى مَلَكة راسخة. إن «باقعة» وبقية أخواتها من مشتقات «تاء التفرد» شاهد على إيجاز اللغة العربية؛ فحرف واحد يغني الكاتب والمتحدث عن صياغة جمل كاملة من قبيل: «الذي لا نظير له في علمه ومكانه، والمنفرد عن غيره في فضله وسلطانه».