بيلينغهام.. عقل إنجلترا الجديد في معركة اللقب الغائب
في إنجلترا، لا تحتاج كرة القدم إلى مناسبة استثنائية كي تتحول إلى قضية وطنية، فكيف إذا تعلق الأمر بكأس العالم؟ هناك، يعود السؤال ذاته كل أربع سنوات: هل حان الوقت ليستعيد الإنجليز لقبهم الغائب منذ 1966؟ وبين جيل يضم أسماء هجومية لامعة، يبرز جود بيلينغهام بوصفه اللاعب الذي لا تبحث فيه إنجلترا عن نجم جديد فقط، بل عن شخصية قادرة على قيادة منتخب كامل نحو ما عجزت عنه أجيال سابقة. منذ خطواته الأولى، بدا بيلينغهام مختلفًا عن الصورة المعتادة للمواهب الإنجليزية الصاعدة، لم يعتمد على الضجيج الإعلامي، ولا على المهارة الاستعراضية وحدها، بل على نضج مبكر في قراءة اللعب، وقدرة لافتة على فرض شخصيته داخل الملعب مهما كان عمره صغيرًا، ففي برمنغهام سيتي، ظهر سريعًا بوصفه مشروع لاعب كبير، قبل أن ينتقل إلى بوروسيا دورتموند، حيث بدأت شخصيته الكروية تنضج في بيئة اعتادت صناعة المواهب وصقلها تحت الضغط. وفي ألمانيا، لم يكن بيلينغهام مجرد لاعب وسط شاب يتعلم تدريجيًا، بل لاعبًا يطلب الكرة في أصعب اللحظات، ويقود الإيقاع بثقة لاعب تجاوز سنوات عمره الحقيقية، هناك، بدأت إنجلترا تنظر إليه باعتباره أكثر من مجرد عنصر واعد؛ لاعب قادر على الجمع بين القوة البدنية، والذكاء التكتيكي، والحضور القيادي، وهي صفات افتقدها المنتخب الإنجليزي كثيرًا في بطولات كبرى سابقة. وجاء كأس العالم 2022 في قطر ليؤكد هذه الصورة بصورة أوضح، دخل بيلينغهام البطولة شابًا ضمن مجموعة مليئة بالأسماء، لكنه خرج منها بوصفه أحد أهم لاعبي المنتخب الإنجليزي، سجّل أمام إيران، وصنع، وفرض نفسه في وسط الملعب بحضور بدا أكثر نضجًا من عمره بكثير، لم يكن اللاعب الذي يكتفي بالأدوار الجانبية، بل اللاعب الذي يربط خطوط الفريق، ويمنحه التوازن بين الدفاع والهجوم، وبين الهدوء والاندفاع. ورغم خروج إنجلترا أمام فرنسا في ربع النهائي، فإن البطولة تركت انطباعًا مهمًا لدى الجماهير الإنجليزية: هذا المنتخب يملك أخيرًا لاعب وسط يمكن بناء المشروع حوله، فخلال سنوات طويلة، امتلكت إنجلترا مهاجمين كبارًا وأجنحة سريعة ونجومًا لامعين، لكنها كثيرًا ما افتقدت اللاعب الذي يمنح الفريق شخصية مستقرة حين تتعقد المباريات. ومع انتقاله إلى ريال مدريد، ارتفعت مكانة بيلينغهام أكثر، فالنجاح في نادٍ بحجم ريال مدريد لا يتحقق بالموهبة وحدها، بل بالقدرة على التعايش مع الضغط اليومي، والتعامل مع المباريات الكبيرة باعتبارها أمرًا معتادًا لا استثنائيًا، وهناك، بدا بيلينغهام وكأنه لاعب خاض هذه التجربة منذ سنوات؛ يسجل، ويقود، ويتحمل المسؤولية، دون أن يفقد هدوءه داخل الملعب. ما يجعل بيلينغهام عنصرًا محوريًا لإنجلترا أنه لا يلعب بوصفه “نجم لقطة”، بل لاعب منظومة. يستطيع افتكاك الكرة، وصناعة اللعب، والتقدم للتسجيل، والضغط، والتحكم بإيقاع المباراة، وهذه النوعية من اللاعبين هي التي تصنع الفارق الحقيقي في كأس العالم، حيث لا تكفي المهارة الفردية وحدها لعبور المباريات المعقدة. لكن التحدي الأكبر أمامه لا يتعلق بالمستوى الفني فقط، بل بثقل القميص الإنجليزي نفسه، فمنذ لقب 1966، دخلت إنجلترا بطولات كثيرة بأسماء لامعة وتوقعات مرتفعة، ثم خرجت بخيبات متكررة، ولذلك، فإن أي لاعب يتحول سريعًا من موهبة واعدة إلى رمز لآمال الجماهير، وهي مساحة ضغط لم ينجُ منها كثيرون. ومع اقتراب كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تبدو إنجلترا أمام فرصة جديدة للمنافسة، لكن هذه المرة بعقل مختلف في وسط الملعب، فبيلينغهام لا يمنح المنتخب الجودة الفنية فقط، بل يمنحه الإحساس بالاتزان والثقة، وهما العنصران اللذان افتقدتهما إنجلترا كثيرًا في اللحظات الحاسمة. ولهذا، قد لا يكون مونديال 2026 مجرد بطولة جديدة في مسيرة جود بيلينغهام، بل البطولة التي تحدد إن كان سيصبح مجرد نجم كبير في أوروبا، أم الاسم الذي يعيد لإنجلترا الطريق نحو لقب غاب أكثر من نصف قرن.