الأسهم الأمريكية سجلت مستويات قياسيةعوائد السندات الحكومية قفزت مع تصاعد المخاوفالنفط لا يزال أعلى بكثير من مستوياته السابقة للحرباضطرابات الإمدادات دفعت المستوردين للبحث عن بدائلالتضخم يعود للارتفاع في الاقتصادات الكبرى مدفوعاً بتكاليف الطاقةاستمرار الصراع سيُلحق ضرراً أوسع بالنشاط الاقتصادي العالميبعد مرور 100 يوم على اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، لا تزال الأسواق العالمية والاقتصاد الدولي يواجهان تداعيات صراع لم تنجح الجهود الدبلوماسية حتى الآن في إنهائه بصورة دائمة. وبينما يستمر وقف إطلاق النار الهش في إفساح المجال أمام المفاوضات، فإن الرسائل المتناقضة الصادرة من واشنطن وطهران، إلى جانب الهجمات العسكرية المتقطعة، أبقت المستثمرين في حالة ترقب دائم.**media[7934559]**ورغم أن الأسواق المالية أظهرت قدرة ملحوظة على التكيف مع الحرب مقارنة بالأيام الأولى للصراع، فإن الضغوط تتزايد على عدد من الاقتصادات والقطاعات، خاصة مع استمرار اضطرابات أسواق الطاقة وعودة المخاوف التضخمية إلى الواجهة.الأسواق تتجاهل الحربفي الأيام الأولى للهجمات العسكرية، تعرضت الأسهم العالمية لموجة بيع واسعة، لكن الصورة تغيرت تدريجياً مع استعادة الأسواق الأمريكية زخمها.فقد تمكن مؤشر «إس آند بي 500» من تعويض خسائره بالكامل وتسجيل مستويات قياسية جديدة، في وقت يواصل فيه المستثمرون التركيز على آفاق الذكاء الاصطناعي وربحية الشركات الأمريكية، متجاوزين إلى حد كبير تداعيات الحرب وارتفاع أسعار النفط.قال إيان بارنز، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «نت ويلث»، إن الأسواق افترضت في البداية أن الحرب ستدفع الاقتصادات الكبرى المستوردة للطاقة من بيئة انكماشية معتدلة إلى حالة أقرب إلى الركود التضخمي، إلا أن التفاؤل المرتبط بالذكاء الاصطناعي وقدرته على تعزيز أرباح الشركات الأمريكية غيّر اتجاه المستثمرين.وأضاف أن المكاسب تركزت بصورة أساسية في الشركات الأمريكية والآسيوية المرتبطة بشكل مباشر بالإنفاق على تقنيات الذكاء الاصطناعي، في حين بدت الأسهم الأوروبية أقل قدرة على الصعود بسبب حساسيتها الأكبر لارتفاع تكاليف الطاقة.من جهته، أشار توني ميدوز، رئيس الاستثمار في شركة «بي آر آي ويلث مانجمنت»، إلى أن الإنفاق المتسارع على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي كشف عن اختناقات متزايدة في سلاسل الإمداد، أبرزها الطلب الهائل على القدرات الحاسوبية التي دعمت أسهم شركات أشباه الموصلات، وبأن اقتصادات مثل كوريا الجنوبية وتايوان استفادت من هذا الاتجاه.السندات تحت ضغط متواصللم تتمكن أسواق السندات من إظهار المرونة نفسها التي أبدتها الأسهم. فمنذ اندلاع الحرب، شهدت السندات الحكومية تقلبات حادة، بينما بقيت العوائد عند مستويات مرتفعة تعكس استمرار القلق من التضخم وتشدد السياسات النقدية.وسجلت عوائد سندات الخزانة الأمريكية ارتفاعات قوية، مع إعادة المستثمرين تسعير احتمالات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول. وخلال الشهر الماضي، بلغت عوائد السندات الأمريكية لأجل 30 عاماً أعلى مستوياتها منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية.كما شهدت اقتصادات متقدمة أخرى الاتجاه نفسه، وكانت المملكة المتحدة من بين أكثر الأسواق تأثراً، حيث تعرضت السندات الحكومية البريطانية لموجة بيع قوية تزامنت مع اضطرابات سياسية داخلية.وقال نيل بيريل، كبير مسؤولي الاستثمار في «بريميير ميتون إنفستورز»، إن أسواق السندات تنظر إلى الحرب بوصفها خطراً اقتصادياً حقيقياً، في ظل المخاوف من ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو وتعطل سلاسل الإمداد العالمية.وأضاف أن المشكلة لا تكمن فقط في بلوغ التضخم أو أسعار الفائدة مستويات مرتفعة، بل في استمرارها عند تلك المستويات لفترة طويلة، ما قد يضعف النمو الاقتصادي ويجعل من الصعب على أسواق الأسهم الحفاظ على مكاسبها الحالية.النفط يتراجعظل سوق النفط في قلب التطورات منذ الأيام الأولى للحرب، خاصة مع الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لشحن النفط في العالم. وقد شهدت الأسعار تقلبات حادة استجابة للأخبار المتعلقة بالهجمات الصاروخية والمفاوضات السياسية وعمليات وقف إطلاق النار، إلا أنها بقيت أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب.فبحسب البيانات الحالية، لا تزال عقود خام برنت مرتفعة بنحو 36% مقارنة بمستوياتها قبل 28 فبراير، بينما تزيد أسعار خام غرب تكساس الوسيط بنحو 50%.كما أدى إغلاق المضيق، والأضرار التي لحقت ببعض منشآت الطاقة في الشرق الأوسط، إلى تشديد الإمدادات العالمية، ما أجبر الدول المستوردة على البحث عن مصادر بديلة للنفط. لتشهد المئة يوم الماضية ارتفاعاً في صادرات النفط الخام الأمريكية.وأوضح تاماس فارغا، المحلل في «بي في إم أويل أسوشييتس»، أن عدداً من العوامل ساعد على الحد من ارتفاع الأسعار بصورة أكبر، من بينها السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، وتخفيف بعض القيود على النفط الإيراني والروسي، وتراجع الطلب الصيني، وارتفاع صادرات النفط الأمريكية.إلا أنه حذر من أن تراجع المخزونات النفطية العالمية المتوقع خلال الأشهر المقبلة، في حال استمرار تداعيات النزاع وإغلاق المضيق لفترة أطول، سيؤدي إلى جموح التضخم أكثر، ويقوض ثقة المستثمرين مستقبلاً، ويدفع الأسواق إلى سباق محموم لتأمين الإمدادات، ما قد يعيد الأسعار إلى ما فوق 100 دولار للبرميل.التضخم إلى الواجهةبعيداً عن الأسواق المالية، بدأت البيانات الاقتصادية تعكس بصورة أوضح تأثير الحرب في الاقتصادات الكبرى، في ظل تكاليف الطاقة المرتفعة هذه، لتسجل معدلات التضخم زيادات ملحوظة في عدد من الدول.ففي الولايات المتحدة، بلغ معدل التضخم السنوي 3.8% في إبريل/نيسان، وهو أعلى مستوى خلال ما يقرب من ثلاث سنوات.كما دفعت الضغوط الناجمة عن نقص إمدادات الطاقة بعض الحكومات إلى التدخل للحد من تأثير ارتفاع الأسعار في المستهلكين والشركات، بما في ذلك ألمانيا والهند.ومع دخول الحرب يومها المئة، تبدو الأسواق العالمية وكأنها تعلمت التعايش مع الصراع، لكن المؤشرات الاقتصادية الأساسية ترسل إشارات مختلفة. فبينما تواصل الأسهم الأمريكية تسجيل المكاسب مدفوعة بطفرة الذكاء الاصطناعي، يظل ارتفاع التضخم وعوائد السندات وأسعار الطاقة تذكيراً بأن تكلفة الحرب لم تختفِ، بل بدأت تنتقل تدريجياً من شاشات التداول إلى الاقتصاد العالمي الحقيقي.