يعتبر الفنان بدر عباس من التشكيليين البارزين الذين تأثروا بمدارس عالمية خاصة الانطباعية والتكعيبية الحديثة، إذ مزج بشكل مبتكر بين تلك التيارات وعناصر التراث الشعبي الإماراتي، وهو يستلهم حسه الفني من قامات فنية بارزة من أمثال: سلفادور دالي وبابلو بيكاسو وجورج كوندو، ويتميز بكونه فناناً عصامياً طور موهبته بنفسه، ليمثل بصمة خاصة في المشهد الفني المحلي والدولي.ومن أبرز تلك الأعمال الفنية التي قدم من خلالها عباس قيمة فنية عالية لوحة تحمل اسم «ألف ليلة وليلة»، وقد أنجزها بريشته في أغسطس عام 2020، وهي من الإبداعات التي وجدت اهتماماً وصدى في الحراك الفني الإماراتي لما فيها من بذل إبداعي سواء على مستوى الفكرة أو البعد الجمالي المتمثل في الألوان والتعامل مع الرموز وتوظيفها في اللوحة.تجسد اللوحة أسلوب الفنان القائم على المدرسة التكعيبية التعبيرية مع دمج غني لعناصر الموروث الشعبي العربي والشرقي، فاللوحة تبدو كبساط الريح الذي ورد في الأساطير العربية القديمة، تسافر بالمتلقي نحو أزمنة مضت، وتعانق شخصيات تاريخية حقيقية كانت أو أسطورية، لكنها تؤكد فكرة ثراء التراث العربي العامر بالحكايات البديعة الجميلة خاصة «ألف ليلة وليلة»، تلك الأيقونة التي خلدت في أذهان العرب والبشر كلهم بعد أن ترجمت لكل اللغات، بالتالي فإن اللوحة هي احتفاء بتلك الحكاية وذلك الموروث العميق المتسرب في أوردة الحضارة البشرية.تحتشد اللوحة بالعناصر والشخصيات والرموز والعلامات، إذ يظهر في المشهد المرسوم بدقة تجسيد تكعيبي لوجهي الملك شهريار والملكة شهرزاد في حالة حوار مستوحى من حواريات يوميات «ألف ليلية وليلة»، وتنساب من خلفهما ملامح القصور والمساجد لتعبر عن أجواء بغداد القديمة وحكايات الشرق الغامضة، في ما تتوزع في جنبات اللوحة دلالات واضحة مستلهمة من تفاصيل القصة الشهيرة؛ مثل مصباح علاء الدين السحري الذي يمسكه البطل بيده، ودلة القهوة التقليدية والملابس المطرزة بالألوان الحيوية والزخارف التقليدية.* نصوص**media[7960431]**تحتفي اللوحة بكتاب عربي مجيد، ولذلك حرص الفنان على وجود الحروف العربية في العمل، فكان أن احتل نص «ألف ليلة وليلة» مكان اليسار قليلاً نحو جهة القلب في مشهد اللوحة، في ما دمج الفنان الخط العربي والتدوين النصي في الركن السفلي الأيسر من اللوحة، مقتبساً أشهر عبارة افتتاحية في الأدب العربي: «وأدرك شهرزاد الصباح... فسكتت عن الكلام المباح...». تعد اللوحة تجسيداً حياً لاهتمام بدر عباس بإعادة إحياء القصص الخيالية المرتبطة بالتراث والبيئة العربية برؤية معاصرة ومبتكرة، وهي مهمة يمكن أن تقود إلى مشروع إبداعي متكامل بقوة الألوان وضربات الفرشاة، لا تعيد إحياء المرويات فقط بل إعادة صياغة ذلك الموروث وتقديمه برؤية بصرية مختلفة، فاللوحة حفلت بالاشتغالات الفنية المتميزة خاصة على مستوى تفكيك وإعادة بناء العناصر، إذ طبق الفنان قواعد المدرسة التكعيبية عبر تفكيك الأشكال الهندسية للرموز التراثية مثل الدلة، والمصباح، والملابس وإعادة تركيبها بزوايا حادة ومتداخلة.وتكمن براعة الفنان في الحفاظ على الأصالة، فعلى الرغم من الحجب التكعيبي المتعمد لملامح الوجوه والأشياء، حرص على أن تظل الرموز التراثية القديمة مثل الطربوش والغترة ومصباح علاء الدين، واضحة ومميزة للمشاهد ليحافظ على هويتها الشرقية عبر الاشتغال على إبراز الدلالات والعلامات عوضاً عن الوجوه، كما عمل الفنان على مستوى التوظيف الدرامي والقصصي للرموز في تجسيد الحكاية، إذ وظّف الرموز لخدمة النص المكتوب أسفل اللوحة؛ فوجود المصباح السحري في يد شهريار وإبريق السائل الذي ينسكب يرمزان إلى عوالم السحر، والترف، وقصص الخيال التي كانت ترويها شهرزاد لتشد انتباه الملك.كما اشتغل الفنان بشكل مبتكر على مستوى رمزية المكان، بحيث دمج مآذن وقباب المساجد والقصور في خلفية العمل وبين تفاصيل الشخصيات، ليرمز بها إلى بيئة الحكايات «بغداد»، من أجل أن يصنع بُعداً مكانياً وتاريخياً يطوق الشخصيات، وربما من أبرز اللفتات البارعة في اللوحة التعامل مع الألوان خاصة على مستوى التباين اللوني، فنجد أن الفنان قد استخدم ألواناً غنية ومتنوعة مثل الأحمر، والأزرق النيلي، والبنفسجي، والذهبي، لزخرفة الملابس التراثية والحلي؛ وهو ما يعكس بهجة وفانتازيا القصص الشرقية، كما اعتمد على التباين بين الظل والنور لإبراز الرموز الأساسية، وجعلها نقاط جذب بصرية أساسية تتنقل بينها عين المشاهد وسط زحام العناصر التكعيبية.