امتحانات التوجيهي تعود إلى غزة بعد عامين من الغياب.. لكن بأي ثمن؟ الثلاثاء 30/يونيو/2026 - 07:19 م 6/30/2026 7:19:08 PM في العشرين من يونيو 2026، جلس آلاف الطلبة في قطاع غزة لأداء امتحان التربية الدينية، في مشهد بدا عاديًا في أي مكان آخر من العالم، لكنه في غزة كان حدثًا استثنائيًا يحمل وزنًا يتجاوز ورقة الأسئلة، فبعد عامين كاملين من توقف امتحانات الثانوية العامة "التوجيهي" بفعل الحرب، عادت الاختبارات أخيرًا، لكنها عادت إلى جيل أنهكه النزوح والفقد وانقطاع التعليم، وإلى منظومة تعليمية شبه منهارة تحاول النهوض من تحت الركام، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي عقد امتحان لإنقاذ جيل كامل كاد يضيع؟فجوة عامين وثمن باهظحجم الكارثة التعليمية يتكشف في الأرقام. فوفق وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، حُرم نحو 78 ألف طالب وطالبة من غزة من تقديم امتحاناتهم خلال العامين الأخيرين، بينهم أكثر من 39 ألفًا في عام 2025 وحده، هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، بل شباب توقفت ساعاتهم الأكاديمية عند لحظة اندلاع الحرب، وبقوا معلقين بين مرحلتين، لا هم أنهوا الثانوية ولا هم دخلوا الجامعة.والبنية التي يُفترض أن تحتضنهم لم تعد قائمة أصلًا، فقد دُمّر جراء الحرب 60 مبنى جامعيًا و111 مدرسة، وتحوّل ما تبقى منها إلى ملاجئ للنازحين بسبب انعدام البنى التحتية والخدمات التعليمية، ما حرم الطلاب من تقديم الامتحانات التي تُعدّ بوابتهم نحو التعليم الجامعي. حين تتحول المدرسة إلى خيمة جماعية والجامعة إلى ركام، يصبح مجرد إجراء امتحان تحديًا لوجستيًا هائلًا.عودة الامتحانات: تفاصيل العمليةرغم كل ذلك، مضت وزارة التربية والتعليم في غزة في قرارها، فقد أعلنت رسميًا جدول امتحانات شهادة الدراسة الثانوية العامة للدورة الأولى داخل محافظات غزة، على أن تبدأ في 20 يونيو 2026 وتستمر حتى 29 يونيو 2026، شاملة مختلف الفروع، العلمي والأدبي والشرعي والريادة والأعمال والزراعي والصناعي والاقتصاد المنزلي، وقد افتُتحت بامتحان التربية الدينية لجميع الفروع، تلته مواد الثقافة العلمية والكيمياء والمحاسبة وتكنولوجيا المعلومات في الأيام التالية.لكن الطريقة التي يُعقد بها الامتحان تكشف بحد ذاتها حجم الاستثناء، فقد قررت الوزارة أن يُعقد الامتحان إلكترونيًا عبر منصة Wise school حيثما توفر الإنترنت، مع إقرار حالة طوارئ تقضي بأنه في حال استكمال الاستعدادات اللازمة لعقد الامتحان وجاهيًا "ورقيًا" داخل القاعات، سيُعلَم الطلبة بذلك قبل وقت مناسب، امتحان معلّق على توفر الإنترنت، وقاعات بديلة عن مدارس صارت ملاجئ، ومنصة رقمية في قطاع يعاني انقطاع الكهرباء وشح الوقود، كلها مؤشرات على أن "العودة إلى الطبيعي" ما زالت بعيدة المنال.وجوه خلف الأرقامخلف كل رقم قصة إنسان فقد أكثر من عام من عمره، الطالبة يارا النجار، التي تقيم في مدرسة للنزوح بخان يونس، لخّصت مأساة جيلها حين قالت: "بسبب الحرب خسرنا سنة أخرى، ولم نستطع تقديم امتحانات الثانوية، إذ كان من المفترض أن أكون الآن في السنة الجامعية الثانية، لكن بسبب الاحتلال الذي دفعنا إلى نزوح مستمر وحرب إبادة، لا نستطيع أن نعيش ونجتاز مراحل مهمة في حياتنا، بينما الطلاب في باقي مدن فلسطين يقدمون امتحانات الثانوية، ونحن في قطاع غزة ننتظر أملًا لانتهاء الحرب والعودة إلى التعليم"، كلماتها قيلت قبل عودة الامتحانات، وتختصر مشاعر عشرات الآلاف ممن كانوا ينتظرون لحظة كهذه.وحتى مع عودة الامتحان، تبقى ظروف الاستذكار قاسية، تحاول يارا التغلب على المخاوف بتذكير نفسها بالمذاكرة ومراجعة الدروس والسعي لتحقيق حلمها، لكنها تفعل ذلك في خيمة نزوح، لا في غرفة هادئة، وفي ظل قلق دائم على الطعام والماء والأمان قبل الكتب.سلّم تعليمي مكسورأهمية التوجيهي لا تكمن في كونه امتحانًا، بل في كونه حلقة الوصل بين المدرسة والجامعة وسوق العمل. وحين تنكسر هذه الحلقة لعامين، تتعطل المنظومة بأكملها، فالطلاب الذين فاتهم الامتحان لم يتمكنوا من التقدم للجامعات، ومن لم يدخل الجامعة لم يتخرج، ومن لم يتخرج لن يدخل سوق العمل في موعده، النتيجة تراكم أفواج كاملة عند عنق الزجاجة نفسه، ما يهدد بضغط هائل على الجامعات الفلسطينية، المنهكة أصلًا بعدما دُمّر 60 مبنى جامعيًا، فور محاولتها استيعاب سنوات متراكمة من الخريجين دفعة واحدة.والأثر يمتد إلى ما هو أبعد من الأكاديميا. ففقدان الشهادة يعني أيضًا فقدان أحد أبرز مسارات المغادرة المشروعة للقطاع، إذ كان التعليم الجامعي في الخارج والمنح الدراسية بوابة لكثير من شباب غزة نحو فرص أوسع، جيل بلا شهادة هو جيل أقل قدرة على الحركة، وأكثر عرضة للبطالة والإحباط، وأشد هشاشة أمام اليأس.نسيج اجتماعي تحت الاختبارما تفعله سنتان من انقطاع التعليم لا يُقاس بالدرجات وحدها. فالمدرسة في المجتمعات المنكوبة ليست مكانًا للتعلم فقط، بل فضاء للحماية والروتين والاستقرار النفسي، خصوصًا للمراهقين. وغيابها لعامين، مقترنًا بالنزوح المتكرر والفقد والعيش في الخيام، يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة قد تظهر تبعاتها على مدى عقود تسرب من التعليم، وزواج مبكر، وعمالة أطفال، وتراجع في المهارات الأساسية لدى شريحة واسعة من الجيل.وعودة الامتحانات، رغم رمزيتها المهمة، لا تعالج هذه الجروح بمفردها، فهي خطوة أولى نحو استعادة المسار، لكنها تحتاج إلى أن تُتبع ببرامج تعويض تعليمي ودعم نفسي وإعادة إعمار للمدارس والجامعات، وإلا بقيت مجرد لحظة رمزية وسط واقع لم يتغير جوهريًا.امتحان أكبر من ورقةعودة التوجيهي إلى غزة في يونيو 2026 خبر يستحق الاحتفاء، فهو يعني أن آلاف الشباب استعادوا أخيرًا فرصة العبور نحو مستقبلهم بعد عامين من الانتظار. لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم ما خُسر جيل أُجبر على وضع أحلامه على الرف، ومنظومة تعليمية تحاول النهوض من تحت الركام بمنصة إلكترونية وقاعات مؤقتة، الامتحان الحقيقي الذي يخوضه القطاع ليس في قاعات الاختبار، بل في قدرته على إعادة بناء سلّم تعليمي كامل انكسرت درجاته، وإنقاذ جيل لا يطلب سوى أن يُمنح فرصة عادلة ليتعلم ويتخرج ويحلم، فالشهادة تُطبع على ورق، أما الجيل فلا يُعوّض إذا ضاع.