«الوحش الحراري» يفترس أوروبا.. وعشرات الملايين بدون مكيفات

تواجه القارة الأوروبية «وحشاً حرارياً» تشتد وطأته في أجزائها الغربية، حيث يشهد نحو 94 مليون شخص حرارة تتجاوز 35 درجة، الأربعاء، فيما استعر الجدل حول مكيفات الهواء في منطقة غير مجهّزة للتعامل مع القيظ.وسجّلت فرنسا، الأربعاء، اليوم الأشد حراً في تاريخها، محطّمة الرقم القياسي المسجل الثلاثاء، بحسب ما أفادت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية.أما في المملكة المتحدة، فوُضعت عدة مناطق في حالة تأهب قصوى بسبب الحرارة الشديدة، حتى مساء الخميس.وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية في إسبانيا أن يومي الاثنين والثلاثاء، كانا الأكثر حرارة في شهر يونيو/ حزيران منذ عام 1950. وتشير تقديرات مستندة إلى تحليل توقعات الأرصاد الجوية الألمانية، والتقديرات السكانية لعام 2025 الصادرة عن مركز الأبحاث المشترك، إلى أن مستويات الحرارة القصوى ستتجاوز 30 درجة مئوية بالنسبة لأكثر من 350 مليون شخص، أي ما يزيد على ثلثي سكان القارة. ووفقاً لدراسة علمية نُشرت، هذا الأسبوع، فإن موجة الحر الحالية «تتفاقم بشكل كبير بسبب تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري»، والذي لولاه لكانت مستويات الحرارة الحالية أقل بمقدار درجتين إلى أربع درجات.ويعزو خبراء هذه الظروف الجوية القاسية إلى أنماط الغلاف الجوي ودوران الهواء التي تُبقي الهواء الساخن محصوراً في مكانه لأيام، وتتفاقم هذه العوامل بفعل الاحترار المناخي. وحذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، الأربعاء، من أن موجة الحر تعرّض صحة الأوروبيين للخطر، وحث قادة القارة على الاستثمار في جعل خدماتهم الصحية أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ.«نشعر بالاختناق»في فرنسا، بلغ مؤشر الحرارة الوطني الإجمالي (متوسط درجات الحرارة نهاراً وليلاً) 30 درجة، محطّماً الرقم القياسي الذي سجّل الثلاثاء وبلغ 29.8 درجة.ومع إدراج أربع مناطق فرنسية إضافية ضمن أعلى مستوى من الإنذار من الحر، الأربعاء، يتأثر نحو 44 مليون ساكن بموجة الحر الاستثنائية.وإضافة إلى المقاطعات الـ31 المشمولة حالياً بالإنذار البرتقالي، فإن أكثر من 90% من سكان فرنسا معرضون لدرجات الحرارة المرتفعة التي تتراوح بين 39 و41 درجة، الأربعاء، من بريتاني (شمال غرب) إلى منطقة باريس، وفي الجنوب الغربي.وأدت درجات الحرارة المرتفعة إلى جعل الظروف في المدارس والمكاتب والمصانع غير محتملة، ما دفع إلى الإغلاق المبكر والعمل من المنزل.وقال نور الدين الكاوري (48 عاماً)، العامل في مصنع رينو بمدينة دواي شمال فرنسا: «نشعر بالاختناق». وأضاف: «نشعر بموجات من الحرارة، حتى إن بعض الناس يُغمى عليهم أحياناً. من الصعب جداً مواصلة العمل».وفي موقع بناء بلندن، قال هاريسون هاموند (29 عاماً)، وهو كهربائي، إن رؤساءه طلبوا من الموظفين التعامل بجدية مع موجة الحر. لكنه أشار إلى أن الوضع كان «مختلفاً تماماً» عندما عاد إلى منزله بالقطار إلى إسكس، شرق العاصمة البريطانية، مساء الثلاثاء، مضيفاً: «لم تكن هناك أجهزة تكييف، وكان الجميع يعانون بشدة».انقطاع الكهرباءوتسببت موجة الحر بانقطاع التيار الكهربائي عن نحو 68 ألف منزل في شمال غرب فرنسا، الأربعاء، وفق ما أفادت السلطات، في أول انقطاع كبير للكهرباء تشهده البلاد خلال موجة الحرّ الأخيرة.وفي المملكة المتحدة، حيث يتوقع أن تصل مستويات الحرارة إلى نحو 40 درجة، حذرت شركة «نيسو»، المشغلة لشبكة الكهرباء، من تأثر الإمدادات بسبب الضغط على الشبكة.وفي كانتابريا بشمال إسبانيا، وهي منطقة غير معتادة على الحرارة المرتفعة، سجل رقم قياسي مطلق لأقصى درجة حرارة، إذ بلغت 43.7 درجة في بلدة تاما الصغيرة.وارتفعت مبيعات المراوح وأجهزة التكييف بشكل كبير، ونفدت من متاجر عدة في بلدان مبانيها غير مصممة لتحمُّل درجات الحرارة المرتفعة.والاثنين، باعت سلسلة متاجر كارفور 30 ألفاً من تلك الوحدات بحلول الساعة 6:30 مساء، أي «ألف ضعف ما يُباع في يوم عادي»، بحسب ما صرّح به المدير التنفيذي ألكسندر بومبارد.واشتكت المهندسة يانا ماركفيتش من القيود القانونية في المملكة المتحدة على تركيب أجهزة التكييف، والتي انتقدها بعض الناشطين البيئيين بسبب استهلاكها العالي للطاقة. وقالت: «نعيش بالفعل في عالم تزداد فيه موجات الحر حدة. لا أعتقد أن حرمان الناس العاديين من الحصول على التبريد المناسب في منازلهم يمثل سياسة مناخية جادة».ضربة للسياحةويُعد شهر يونيو/ حزيران فترة مهمة للسياحة في أوروبا، لكن عدداً من المعالم الشهيرة، بينها برج إيفل ومتحف اللوفر في باريس، ومتحف أتوميوم الفولاذي في بروكسل، اضطرت إلى الإغلاق في وقت أبكر من المعتاد بسبب الحر الشديد.وقال جون بيلر، وهو مهندس أمريكي يبلغ 45 عاماً، إنه وزوجته يعانيان حرارة خانقة في العاصمة الفرنسية، وأضاف حاملاً مروحة صغيرة: «زيارة باريس في هذا الحر أمر لا يُطاق، نشعر بالاختناق في الشوارع، وفي المترو، وحتى في شقتنا المستأجرة»، مشيراً إلى أنه سينتقل مع زوجته إلى غرفة مكيّفة في فندق.وقال أمناء متحف غرانت لعلم الحيوان، التابع لكلية لندن الجامعية، إن بعضاً من آلاف العينات التي يضمها المتحف من العالم معرضة للخطر. وأفادت رئيسة قسم علم الحيوان والمجموعات العلمية، تانيس ديفيدسون، بأن أحد أوعية حفظ العينات انكسر بسبب الحرارة العام الماضي، مضيفة: «ندرس حالياً متى قد نضطر، كإجراء وقائي، إلى إفراغ عدد من أوعية العيّنات، ونقل محتوياتها إلى أوعية أخرى».ويتوقع أن تمتد موجة الحر إلى شرق أوروبا خلال الأيام المقبلة. وأصدرت هيئة الأرصاد الجوية البولندية تحذيرات من ارتفاع درجات الحرارة في غرب البلاد، من الخميس إلى السبت، متوقعة أن تتجاوز مستويات الحرارة الرقم القياسي المسجل عام 1921 والبالغ 40.2 درجة.كما وُضع ساحل البحر الأدرياتيكي الشهير في كرواتيا، تحت أعلى مستوى تحذير، يومي الجمعة والسبت، فيما أعلنت المجر التي تخضع للمستوى الثاني من التحذير، رفعه إلى أعلى مستوى من السبت إلى الثلاثاء، مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة.