«النفس اللوّامة».. أمسية فكرية تضيء صراع الإنسان مع ذاته

أقام صالون سيدات الرياض أمسية فكرية بعنوان «النفس اللوّامة»، جمعت بين التأمل الفكري والبعد الإيماني قدمتها المدربة عبير العيد، وذلك في مكتب مدينتي المعذر بالرياض، وسط حضور تفاعل مع ما طرحته الأمسية من رؤى حول علاقة الإنسان بذاته، وصراعه الداخلي بين الضعف والمراجعة، وبين الانجراف نحو الخطأ والعودة إلى طريق الطمأنينة. وجاءت الأمسية لتفتح باب التأمل في معنى الطمأنينة التي يبحث عنها الإنسان في اتجاهات متعددة، في حين قد تكون الغربة الحقيقية ساكنة في داخله قبل أن تكون في المكان أو الظروف المحيطة به. وتناولت المدربة خلال حديثها طبيعة النفس البشرية، وما يعتريها من لحظات ضعف وغضب ورغبة، مؤكدة أن الإنسان قد يحب الخير، ويرغب في القرب من الله، إلا أنه قد يغفل أحيانًا عن مواضع الضعف في نفسه، فتقوى المعصية حين تُغذّى بالتساهل، وتكبر حين يمنحها الإنسان من ضعفه ما يجعلها أقوى من إرادته. وسلّطت الأمسية الضوء على مفهوم النفس اللوّامة بوصفها حالة يقظة داخلية لا تسمح للإنسان أن يستريح إلى خطئه، أو يغرق في الذنب بلا مراجعة. فهي الصوت الذي يوقظ الضمير، ويعيد الإنسان إلى مساءلة ذاته، ويجعله يقف أمام أسئلة عميقة حول الطريق الذي يمضي فيه، والمسافة بين ما تهواه النفس، وما تطمئن إليه الروح، وما يعرفه العقل من حق. وأوضحت المدربة عبير العيد أن النفس اللوّامة لا تعني دائمًا بلوغ الإنسان مرحلة الطمأنينة الكاملة، بل قد تكون في حقيقتها موضع الصراع لأنها تكشف اضطراب الإنسان بين نفس أمّارة بالسوء تدفعه إلى الخطأ وتزيّنه في عينه، ونفس أخرى تلومه وتوقظه وتذكّره بأن هذا الفعل لا يليق بقلب يعرف الله، ولا يشبه إنسانًا يبحث عن النور والسكينة. كما تناولت الأمسية طبيعة هذا الصراع الذي يعيشه الإنسان حين يعرف الحق، ويخاف الله، ويحب الاستغفار، وربما يحرص على الصلاة والعمل الصالح، لكنه مع ذلك قد يتعثر أمام لحظة ضعف أو رغبة أو غضب. غير أن قيمة النفس اللوّامة تظهر في كونها لا تتركه يبتعد طويلًا، بل تدفعه إلى الرجوع والمراجعة، وتفتح أمامه باب التوبة بوصفه طريقًا دائمًا للنجاة. وأكدت الأمسية أن اللوم الداخلي الصادق ليس عقوبة قاسية بقدر ما هو رحمة وعلامة حياة في القلب؛ فالإنسان الذي يندم بعد الخطأ، ويشعر بثقل الذنب، ويحاول النهوض بعد التعثر، لا يزال يحمل في داخله بذرة خير قادرة على أن تعيده إلى الطريق. ومن هنا تأتي أهمية تربية النفس ومجاهدتها، حتى يصبح الإنسان أقوى من رغباته العابرة، وأثبت أمام ما يجره إلى الضعف. واختُتمت الأمسية بالتأكيد على أن الطمأنينة لا تُنال بمجرد الرغبة، بل تحتاج إلى وعي ومجاهدة ومراجعة مستمرة، وأن النفس اللوّامة حين توقظ الإنسان من غفلته فإنها تمنحه فرصة جديدة للعودة إلى الله، ولإعادة بناء علاقته بذاته بروح أكثر صدقًا ونقاء، مثمنين دور صالون سيدات الرياض في رعاية مثل هذه اللقاءات الفكرية التي تسهم في إثراء الوعي، وفتح مساحات للحوار والتأمل في قضايا الإنسان والروح والسلوك.