من يتابع مباريات منتخب الأردن في كأس العالم 2026 لا يخرج فقط بانطباع عن نتيجتين سلبيتين. رغم الخسارتين أمام النمسا والجزائر، ورغم أن فرص التأهل أصبحت شبه معدومة، إلا أن «النشامى» تركوا أثراً يتجاوز الجدول والنقاط. قدموا لمحات من كرة قدم شجاعة ومنظمة في أول مشاركة تاريخية لهم، وأثبتوا أن الكرة الأردنية وصلت إلى مرحلة جديدة تماماً بعد سنوات من الجهد في التصفيات. لم يأتوا ليكملوا العدد فقط، بل ليتركوا بصمة واضحة في عقول المشاهدين والجماهير على حد سواء، ويفتحوا أبواب الأمل للمستقبل. في لقاء النمسا، بدأ الأردن المباراة بطريقة لا تتناسب مع كونهم المبتدئين على هذا المسرح العالمي. كان التنظيم الدفاعي صلباً في البداية، والضغط الجماعي في وسط الملعب يجبر الخصم على التسرع وعدم الراحة. الانتقالات الهجومية جاءت سريعة ومبشرة بخطورة حقيقية. حتى بعد استقبال هدف مبكر هز الشباك، حاول اللاعبون التماسك والبحث عن فرصة التعادل بإصرار واضح. لكن شيئاً ما تغير بعد استراحة الشوط الأول. الإرهاق البدني بدأ يظهر في التحركات البطيئة، وتبعه تراجع في التركيز الذهني. المساحات اتسعت فجأة بين الخطوط، والكرات التي كانت تبدو بسيطة تحولت إلى مصدر خطر. انتهت المباراة بنتيجة 3-1 بعد هدف عكسي وركلة جزاء متأخرة، لكن الأردن نجح في تسجيل هدف يعكس الروح القتالية التي لم تغب عن الفريق طوال الدقائق. أما أمام الجزائر، فكان الشوط الأول مختلفاً تماماً عن كل التوقعات. سيطر النشامى على مناطق واسعة من الملعب، ونجحوا في التقدم بهدف جميل في الدقيقة 36. بدا الفريق واثقاً ومنضبطاً دفاعياً، وكأنه يلعب مباراة اعتادها منذ زمن. الهجمات المرتدة كانت تحمل سرعة وذكاء، مما جعل الكثير من المتابعين يشعرون للحظات أن الفريق قادر على تحقيق مفاجأة كبيرة. ثم جاء الشوط الثاني كاختبار قاسٍ للغاية. انخفض الإيقاع بشكل ملحوظ، وظهرت صعوبات واضحة في التعامل مع الكرات الثابتة، ودفع اللاعبون ثمن الجهد الكبير الذي بذلوه في الدقائق الأولى. الجزائر استغلت الفرص المتاحة وسجلت هدفين متأخرين لتفوز 2-1. وعندما أطلق الحكم صافرة النهاية، كان الإحباط واضحاً على وجوه بعض اللاعبين الذين أعطوا كل ما لديهم، لكن التصفيق الذي انطلق من المدرجات الأردنية حمل رسالة أعمق: الخسارة مؤلمة جداً، لكن ما قدمه الفريق يستحق الاحترام والتقدير. هذه التراجعات في الشوط الثاني ليست مجرد صدفة أو سوء حظ. المنتخبات التي تشارك لأول مرة في المونديال تواجه دائماً صعوبة كبيرة في الحفاظ على الشدة البدنية والذهنية طوال التسعين دقيقة. يبدأ اللاعبون بكل طاقتهم ورغبتهم الجامحة في إثبات الذات أمام العالم، فيبذلون جهداً هائلاً مبكراً، ثم يفتقرون إلى الخبرة المتراكمة في توزيع الجهد أو تعديل الإيقاع التكتيكي عندما يزداد الضغط والإرهاق. هذا النوع من الاختبارات القاسية لا يُكتسب إلا بالمواجهات المباشرة والمتكررة مع الفرق الكبرى التي تملك عمقاً فنياً وبدنياً أكبر. ومع ذلك، المكاسب من هذه التجربة المونديالية كبيرة وملموسة على أكثر من صعيد. سجل النشامى أهدافاً في المباراتين، وخلقوا فرصاً حقيقية أمام مرمى الخصوم، وفرضوا أسلوبهم في فترات طويلة أمام منافسين أقوى فنياً وبدنياً. الجماهير الأردنية شعروا لأول مرة بأن منتخبهم بات قادراً على مقارعة الكبار، لا مجرد الدفاع عن النفس أو انتظار الأخطاء. هذا الشعور الجديد بالانتماء والثقة هو أغلى ما خرج به الفريق من البطولة، وهو ما سيبقى في ذاكرة الأجيال الشابة التي تحلم بارتداء القميص الوطني يوماً ما. المواجهة الأخيرة أمام الأرجنتين ستكون الأصعب بلا شك، حيث تبدو الفوارق كبيرة في كل الجوانب. لكنها قد تمنح النشامى فرصة أخيرة للخروج برأس مرفوع، أو حتى سرقة نتيجة إيجابية تساعد في تحسين الترتيب العام للمجموعة. مهما كانت النتيجة النهائية، فإن هذه المشاركة الأولى لن تُنسى بسهولة. لم يحصد النشامى النقاط التي حلموا بها في بداية الرحلة، لكنهم كسبوا شيئاً أهم بكثير: ثقة جماهيرهم، وخبرة ميدانية قاسية ستجعل النسخ القادمة من المنتخب أكثر صلابة ونضجاً. البداية كانت قاسية ومليئة بالدروس، لكنها فتحت باباً واسعاً لمستقبل أفضل ينتظر الكرة الأردنية. عيسى المسمار عيسى المسمار