المنفى لا يعني النجاة.. عن الجرح المضاعف للمعتقل المصري حين يغادر البلاد

ماذا يحدث للإنسان حين يهرب من سجنٍ محتمل، ليجد نفسه في سجنٍ من نوع آخر؟ هذا ما يكتشفه كثير من المعتقلين السياسيين السابقين الذين غادروا مصر هربًا من شبح اعتقال جديد. المغادرة التي ظنّوها نجاة لا تنهي الأزمة، وإنما تضيف لها طبقات جديدة من الفقد. كانوا يحملون بالفعل ما يشبه حدادًا لا يكتمل على حياتهم القديمة، حياة سُلبت منهم ولم تُردّ إليهم، وهو ما يسميه علم النفس «الحداد المُجمّد». وفي المنفى، يُضاف إلى هذا الحداد فقدان جديد، وطن لم يعد متاحًا، وهوية تتآكل في الغربة، وقصة لا يعرفها أحد ولا يكترث لها كثيرون. منذ منتصف عام 2013، ومع التحول السياسي الذي أعقب وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحكم وما تبعه من حملات اعتقال واسعة، شهدت مصر موجة نزوح سياسي لافتة في حجمها وتنوعها، كما يوثق الباحث محمد مندور في دراسته «مصر وطن يعيش فينا… ولا نستطيع العيش فيه». فبين من غادروا صحفيون ومحامون وأكاديميون وفنانون ونشطاء حقوقيون، تتباين انتماءاتهم وأعمارهم وخلفياتهم الاجتماعية. والأهم أن كثيرين منهم لم يغادروا بقرار هجرة واعٍ، بل وجدوا أنفسهم في منفى لم يخططوا له. يصف أحد من قابلهم مندور في الدراسة هذه الحالة بدقة: «غادرت من المطار بشكل قانوني لإكمال دراستي. طوال حياتي في مصر لم أُحتجز قط لأي سبب، لكن اليوم، بعد متابعة تطورات الاعتقالات، أخاف من العودة، ولن أخاطر». وهكذا يتحول السفر العابر إلى منفى، ويصبح الخوف من الاعتقال عند العودة هو الجدار الذي يحبس الإنسان خارج وطنه. الخسارة الغامضة المزدوجة تناولت في مقال سابق حالة المعتقل السابق داخل مصر، وكيف يعيش بين فقدان لم يكتمل وتعافٍ لم يبدأ، استنادًا إلى نظرية «الخسارة الغامضة» لعالمة النفس بولين بوس. المنفي يحمل صورة أشد تعقيدًا من هذه الخسارة، إذ يفقد المعتقل السابق في المنفى شيئين في آن واحد. يفقد حريته التي ظلت معلقة، فالأحكام الغيابية وقوائم الترقب تلاحقه وتجعل عودته إلى وطنه محفوفة بالخطر، ويفقد وطنه الذي لم يَعُد متاحًا له، لكنه يظل حاضرًا في ذاكرته وحنينه. وهكذا يحمل حدادًا على شيئين لم يُحسم فقدان أيٍّ منهما. صنفت بوس الهجرة القسرية ضمن أوضح أشكال الخسارة الغامضة، حيث يكون المفقود غائبًا جسديًا حاضرًا في الوجدان. والوطن المفقود هنا أوسع من شخص، فهو منظومة كاملة من المعنى والانتماء والمألوف، وهذا ما ينقلنا إلى إطار نظري أكثر دقة لفهم ما يعيشه المنفي. الحزن الثقافي في عام 1991، صاغ الطبيب النفسي موريس آيزنبروخ، من خلال عمله مع لاجئي جنوب شرق آسيا، مفهوم «الحزن الثقافي» (Cultural Bereavement). والكلمة هنا تستعير معنى الفجيعة وفقدان عزيز، وتنقله من فقدان شخص إلى فقدان عالم بأكمله. فالإنسان ينتمي إلى وطنه بأكثر من جواز سفر، ينتمي إليه بشبكة كاملة غير مرئية، فيها لغة يحلم بها ويمازح بها أصدقاءه، وروائح وأصوات تعني له ما لا تعنيه لغيره، وطقوس في المناسبات والأعياد، وإحساس داخلي بأنه في مكانه. وحين يُقتلع من هذا كله دفعة واحدة، يفقد معه الإطار الذي كان يفهم به نفسه والعالم. هذا الفقدان المركّب هو ما سماه آيزنبروخ الحزن الثقافي. وترتكز فكرته على أن ما يعانيه اللاجئ في المنفى قد لا يكون مرضًا نفسيًا يحتاج علاجًا، إنما حداد على فقدان هذه المنظومة كاملة. ووصف أعراض هذا الحزن بدقة لافتة، منها العيش في الماضي والحنين الدائم. ولم يكتفِ بوصف هذه الحالة، بل وجّه نقدًا لقصور المعايير الغربية في تقييم نفسية اللاجئين والمنفيين. فقد رأى أن تشخيصات الطب النفسي التقليدي، وعلى رأسها اضطراب ما بعد الصدمة، تتجاهل غالبًا منظومة المعنى الثقافي الخاصة بالشخص، وأن ما يُقرأ في الغرب كاضطراب نفسي يحتاج إلى علاج قد يكون في حقيقته استجابة طبيعية لخسارة ثقافية فادحة. وهنا يلتقي هذا الإطار مع ما طرحناه سابقًا حول المعتقل السابق حيث إن الأعراض ليست دائمًا خللًا في الفرد، ولكن قد تكون قراءته الصحيحة لواقع غير طبيعي. يحمل المنفي المصري هذا الحزن مثقلًا بطبقة إضافية، ذنب الناجي تجاه الرفاق الذين بقوا في السجون أو تحت التهديد، وهو ذنب يتضاعف هنا، ذنب من نجا بنفسه وغادر بينما بقي الآخرون يواجهون المصير. رصد مندور ذنب الناجي هذا صراحةً ضمن الأعباء النفسية التي تثقل كاهل المصريين في المنفى، إلى جانب آثار الاعتقال والتعذيب والهزيمة وفقدان الأمل وانعدام وضوح المستقبل. يصف الكاتب المصري المنفي أحمد عبد الحليم هذا الفقد بلغة دقيقة في مقال له نشره موقع درج «ما خسرته لم يكن سلطة ولا شارعًا ولا لحظة تاريخية، ولا حياة مثالية، بل القدرة على التخيل. فقدتُ صورة الحاضر، ومعها، فقدتِ الحياة لغتها، وجدانها. وحين يُفقد خيالها، لا يبقى من الحياة ومني، سوى إدارة للخسارة، باردة، في عالم ثقافي وإنساني بارد، بارد جدًا، مثل عالم الشمال». في هذه الكلمات يتجسد ما وصفه آيزنبروخ نظريًا: ليست الخسارة في المكان وحده، بل في لغة الحياة ووجدانها والقدرة على تخيل المستقبل. ثمة فقد من نوع خاص يثقل المنفي تحديدًا وهو الغياب عن لحظات العائلة الكبرى. فحين يموت أب أو أم، أو يُقام فرح أخ، أو يولد طفل جديد، يجد المنفي نفسه بعيدًا، عاجزًا عن الحضور. وهنا تحديدًا يكمن وجع مركّب، فالمعتقل داخل السجن يغيب قسرًا، لا حيلة له، أما المنفي فيبدو في الظاهر قادرًا على العودة، لكنه يعرف أن العودة قد تكلّفه حريته. هكذا يحمل غيابه وزرًا إضافيًا، كأنه غياب بإرادته، وهو في الحقيقة غياب تفرضه عليه الضرورة لا الاختيار. والغياب عن لحظة الموت تحديدًا جرح لا يندمل، إذ يُحرم المنفي حتى من وداع أخير، ومن أن يشارك أهله حدادهم. الألم الخفي نجا المنفي من السجن والملاحقة، لكنه وقع في عزلة من نوع آخر، أن يحيا بين أناس لا يعرفون قصته، ولا يعنيهم أن يعرفوها. ففي وطنه، كان ناشطًا له اسم، أو محاميًا له مكانة، أو صحفيًا له جمهور، أو معتقلًا سابقًا تحيط به دائرة تعرف ما مرّ به وتعترف بمعاناته. أما في المنفى، فيتحول إلى رقم في طابور لجوء، أو «أجنبي» لا يعرف أحد ما الذي دفعه إلى هنا. هذا الانهيار في الموقع الرمزي صدمة في حد ذاته. التقط الطبيب النفسي التشيلي خورخي بارودي، وهو نفسه منفي سابق، هذا البعد حين صاغ مفهوم «الألم الخفي للمنفى السياسي». فالألم هنا غير مرئي، غير معترف به، لا تشهد عليه شبكة اجتماعية ولا تحتضنه ذاكرة جماعية، هذا الإنكار الخارجي يضيف بدوره طبقة جديدة من الجرح. المنفي يحمل خسارته وحيدًا، في صمت، أمام عالم لا ينظر. وفي العبارة التي يكثفها عبد الحليم، يحضر هذا المعنى: «أعيش حاضرًا بلا جذور، وماضيًا بلا استقرار. لا هذا يمسكني، ولا ذاك يعترف بي». ويصف المعتقل السابق سيد المنسي هذا الإحساس بأن لا أحد يرى، في رسالة نقلتها منصة الموقف المصري: «أشعر أحيانًا أنني أصبحت غير مرئي. لا أنتمي إلى أي مكان، ولا يسمع أحد صرختي إلا للحظات ثم يمضي الجميع إلى حياتهم، بينما أبقى أنا هنا، أواجه مصيري وحدي». وكان المنسي قد اختصر التجربة كلها في جملة واحدة: «اكتشفت أن المنفى ليس مكانًا، بل عقوبة طويلة تُنفذ ببطء». يزداد هذا الألم حين يصبح فقدان الهوية ماديًا لا رمزيًا فقط. بحسب تقرير لــ«المنتدى المصري لحقوق الإنسان»، تلجأ السلطات إلى حرمان بعض المنفيين من أوراقهم الثبوتية وتجميد قيدهم المدني داخل مصر، فيتحول الواحد منهم إلى شخص بلا إثبات قانوني لوجوده. وهكذا يصبح فقدان الهوية الذي يعيشه المنفي نفسيًا حقيقةً مسجلة في الأوراق الرسمية. لماذا تختلف الحالة المصرية؟ المنفى السياسي تجربة إنسانية متكررة، لكن المنفيين المصريين يعيشونها اليوم في لحظة مختلفة. فحين ننظر إلى منفيي الديكتاتورية في تشيلي، أو المناضلين ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، نراهم وقد عادوا أخيرًا إلى أوطانهم حين تغيرت الأنظمة، وحظيت قضاياهم على مدى سنوات منفاهم بتضامن دولي رواها وأبقاها حية. هذان العاملان، الاعتراف بالقصة والأمل في عودة ممكنة، كان لهما أثر علاجي حقيقي. يتسق هذا مع ما لاحظه بارودي: أن النجاة من جرح المنفى تبدأ جماعية، لا فردية. لذلك بنى عمله العلاجي على فكرة أن النجاة من هذه العزلة تبدأ من التضامن، لا من الانكفاء على الذات. القصة حين تُروى ويُعترف بها، تتحول من حِمل يحمله الفرد وحده إلى قضية تحملها جماعة. المصريون اليوم في قلب هذه التجربة، لا في نهايتها. كثير منهم يفتقد بعدُ ذلك الاعتراف الواسع بقصته، ويعيش دون أن يلوح أفق العودة بوضوح. هنا تحديدًا يثقل الألم الخفي، حين يجري الحداد على الوطن بعيدًا عن الأنظار. ويزيد من وطأة هذه التجربة على المصريين طبيعة خروجهم نفسه. فكثير منهم غادر فُرادى، على عجل، وفي ظروف قسرية مباغتة، دون استعداد نفسي أو عملي لما ينتظرهم. لم يكن أمامهم وقت لترتيب الرحيل، ولا لتوديع حياة بأكملها، فوجد الواحد منهم نفسه فجأة في بلد غريب، يواجه وحده متاهة اللغة واللجوء والإقامة وفقدان الهوية. هذه المباغتة، وهذا التشتت في الخروج، ضاعفا الإحساس بالاغتراب، وجعل الانتقال أقرب إلى اقتلاع مفاجئ منه إلى هجرة مهيّأة. يصف الصحفي والحقوقي المصري مصطفى الأعصر، المعتقل السابق، لحظة خروجه هذه في مقال نشره بموقع «المفوضية المصرية للحقوق والحريات» عام 2024: «خرجت من مصر في الربع الأخير من عام 2022 وأنا لا أعلم ماذا ينتظرني ولا أعلم موعد رجوعي، لكن الأكيد أنه هربًا من الملاحقات وهربًا من الشعور المتنامي بالخوف والمطاردة، تركت خلفي الأهل والأصدقاء والمقاهي والذكريات ورائحة البيوت والشوارع التي اعتدت السير فيها، وتركت خلفي مستقبلًا سُلب مني قسرًا وسنوات من عمري سُرقت في غياهب السجون». نحو تعافٍ ممكن يختلف مسار التعافي في المنفى عن نظيره داخل الوطن، لأن المنفي يواجه سؤالًا لا يواجهه من بقي في الداخل وهو كيف يبني حياة كاملة في مكان جديد، دون أن يتخلى عمّن كان؟ هنا يصبح التعافي عملية تركيب لا استرجاع، فالعودة إلى الهوية القديمة كما كانت صارت مستحيلة، والذوبان الكامل في المجتمع الجديد ينطوي على خسارة أخرى. والمخرج الذي يجده كثيرون هو هوية مزدوجة، تحمل المصري والمنفي معًا، وتسمح للشخص بأن ينتمي إلى حاضره دون أن يبتر ماضيه. يملك المنفيون موردًا للمعنى قد لا يدركون قيمته العلاجية. فبينما تعمل السلطة في الداخل على محو الذاكرة وإسكات الرواية، يصبح وجود المصريين في الخارج أرشيفًا حيًا لما يُراد له أن يُنسى. حفظ الشهادات، وتوثيق الانتهاكات، ورواية ما جرى، أفعال تحفظ للمنفي إحساسه بأن حياته السابقة لم تذهب سدى، وأن صموده امتد ولم ينكسر. رصد محمد مندور في دراسته كيف تحول جانب كبير من إنتاج المعرفة والصحافة والفن المتعلق بمصر إلى المنفى، حيث وجد من غادروا في الكتابة والبحث والإبداع وسيلة لمواصلة ما مُنعوا منه في الداخل. هذا «المنفى المنتج» يحول الغربة من فراغ إلى موقع فعل، ويعيد للمنفي شعوره بالجدوى. ومن أهم ما يكسر عزلة المنفى أن يجد الناجون بعضهم بعضًا. فحين يلتقي من مرّوا بالتجربة ذاتها، في رابطة أو مجموعة دعم، يتحول الألم الخفي الذي يحمله كل منهم وحيدًا إلى تجربة مشتركة عليها شهود. تؤكد الخبرة العلاجية مع الناجين من القمع السياسي أن المجموعة تفعل ما يصعب على العلاج الفردي تحقيقه وحده، حيث تعيد بناء الثقة التي حطمها القمع، وتمنح المعاناة معنى جماعيًا، وتذكر كل فرد بأنه ليس وحده ولا حالة شاذة. كان بارودي قد بنى مركزه العلاجي على هذا المبدأ، بعد أن اكتشف، في سجنه نفسه، أن التضامن بين المعتقلين كان أول خيوط النجاة. ولعل في كلمات الصحفية المصرية المنفية سلافة مجدي، التي كتبتها على صفحتها على فيسبوك، ما يلخص هذا المسار كله. تقول: «لم أختر المنفى، بل اخترت أن أواصل الطريق… كصحفية، كشخص بدأ من الصفر في بلادٍ لا تشبهه، كانت هذه اللحظة مشبعة بالألم. وقفتُ بين زميلات وزملاء، يحملون في أرواحهم قصصًا لم تُكتب بعد، وكل منا يحمل وطنًا صغيرًا في قلبه، وذاكرةً لا تذبل». ثم تختم بما يشبه إعلان البقاء: «نحن ما زلنا هنا، نكتب، ونحاول من جديد، لسنا في نهايتنا بعد». في هذه الكلمات، يجتمع كل شيء: الخسارة الغامضة للوطن، والألم الخفي لمن بدأ من الصفر، والوطن المحمول في القلب، والكتابة بوصفها مقاومةً للمحو وفعلًا للبقاء. يبقى أن اكتمال هذا التعافي، شأنه شأن الحداد المجمد في الداخل، مرهون بانفكاك الخسارة من غموضها، بأن يعود الوطن متاحًا، وأن يسترد المنفيون حقهم في العودة دون خوف، وحقهم في هوية لا تُجمّد ولا تُصادَر. وحتى يأتي ذلك اليوم، يظل الاعتراف بوجودهم وقصصهم، ومقاومة محوهم من الذاكرة، فعلًا علاجيًا له وزنه ومعناه.The post المنفى لا يعني النجاة.. عن الجرح المضاعف للمعتقل المصري حين يغادر البلاد first appeared on Mada Masr.