المرأة والحديث النبويّ

في كتابها «المرأة ونقل المعرفة الدينية في الإسلام»؛ أظهرت «أسماء السيّد» رؤيتها للمرأة في أرفع مجال علمي بعد القرآن الكريم في الحضارة الإسلامية، وهو «الحديث النبويّ»؛ من حيث القيمة العلمية والاجتماعية لطبقة المحدثين خلال العصور الإسلامية، ومن ثم تمثيل انعكاس صورة المرأة في المعرفة الإسلامية في هذا الميدان العلمي الأعلى شأناً. مستعينة بأدوات منهجية غربية؛ لتشخص صورة المرأة من خلالها، غير مخفية تأثير النظرة الثنائية «ذكر وأنثى» على سياق رؤيتها للكتاب؛ فكل بروز أو ضمور للمرأة ترجعه لهذه الثنائية، وكذا السياقات الاجتماعية ترجعها للإحاطة باستخراج صورة المرأة وتقويمها. أمّا أهمية «الحديث النبويّ» واختيارها له بالذات فلأهمية الحديث النبوي في تفسير القرآن والتشريع، وأهميته في تقوية الإجماع الضامن للاستقرار الاجتماعي، ومحورية الاقتداء بنموذج السلف في العالم الإسلامي، وميل النموذج السلفي للجانب الحديثي؛ تاركاً المدارس الكلامية. ترى المؤلفة أن كتابها «يمثل أول تحقيق مفصل عن رواية النساء للحديث، قام بتوظيف منهج تاريخي صارم؛ لتفسير أنماط نشاط المرأة من مصر إلى فارس، على مدى ما يقرب من عشرة قرون، في سياق التيارات الأوسع في التاريخ الفكري والاجتماعي للعالم الإسلامي السني». وتقسيم كتابها حسب الطبقات، فمن خلال بحثها التحليلي لسلسلة كل حديث، وموضع النساء فيه على خطّ النظر التحقيبي لطبقات المحدثين؛ توقفت عند ملاحظة مهمّة، وإشكالية، وهي: ازدهار النساء المحدثات في القرن الأول، ثم الانكماش الشديد حتى كُتبت المدونات الحديثية الكبرى، وبعدها عاد الازدهار. ففي فصلها عن زمن الصحابيات واستحداث الرواية؛ صنفته إلى ثلاثة مستويات: زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وقريباته، فعموم الصحابيات. والفصل التالي عن التابعيات، وصنفتهن إلى تابعيات سلكن مسلك عائشة رضي الله عنها؛ وهن من تلميذاتها، وصحابيات سلكن مسلك الزهادة واشتهرن به، أكثر من اشتهارهن بالتحديث والفقه. وهنا حصل الهبوط للتخصص في طلب الحديث، وما رافقه من قيود على طلب العلم والرحلة، غير أن المؤاخذ على المؤلِّفة -في كثير مما كتبت- هو الزعم أنّ الهبوط بسبب النظام الأبوي! أما إحياء دور المرأة في رواية الحديث في الحقبة التي سمّتها الكلاسيكية من النصف الثاني من القرن الرابع الهجري حتى الخامس؛ فقد وسمته بـ»قرن المصنّفات الحديثيّة»، عند الاحتياج لاستعادة صورة المرأة المثالية المقتدية بالصحابيات -رضي الله عنهن-، فكان نموذج المحدثات هو الأقرب، ومن ثمّ طُلب الحديث منهن؛ لتغير صورتهن الاجتماعية -كما تذكر المؤلفة-، مثل: «زينب بنت الكمال». كما قدّم نموذج «السلفية»، من حيث حمله لوسم «أهل الحديث»، دوراً لذروة ازدهار النسوة المحدثات من القرن السادس حتى القرن التاسع، عادّة هذا القرن تتويجاً للقرنين السالفين، ولارتباطه بعدة عوامل منها: قبول المدونات الحديثية الكبرى؛ حيث قبلت الروايات المكتوبة، كذا صعود الأسر العلمية، وتعزز السلفيّة بوصفها التمثيل الأساسي للسنّة، ومنهجيات طلب علم الحديث، والإجازات، وفرز السلاسل القصيرة من الأطول «الإسناد العالي». أمّا في أواخر العصر المملوكي وأوائل العصر العثماني؛ فظهر تراجع في رواية المرأة للحديث، شكل منعطفاً لافتاً يستحق الوقوف. لتخلص إلى أنّ صورة المرأة في مجال الحديث النبويّ «أرفع أشكال المعرفة الإسلاميّة» صورة تتأثر بالعوامل البيئية والزمانية والمكانيّة، ولا يمكن وسمها بوسم عام في كل الحقب. مع أهميّة تنبيهات مقدمة المترجم «أحمد العدويّ»، ومنها: تأثر المؤلفة بنظرة المستشرقين للحديث النبوي، والتشكيك فيه، وعدم قطع المؤلفة بصحة الأحاديث، ومحاولة تطبيق معايير علم الجرح والتعديل على الصحابيات -رضي الله عنهن-! مع مقارنة المؤلفة بين المسلمات وغير المسلمات من الأديان الأخرى؛ كالمسيحية في القدس، والنظر لزهد النساء في تلك المنطقة كأم الدرداء -رضي الله عنها- بنظرة المقارنة بين الأديان المسيحية والإسلام!