يُعد مفهوم «الغزو الثقافي» من أكثر المفاهيم الجدلية في الدراسات الإعلامية والثقافية، ويقصد به: انتقال قيم ورموز وأنماط حياة ونماذج ثقافية من مجتمع قوي إعلامياً واقتصادياً إلى مجتمع أضعف، بطريقة تجعل الثقافة المحلية أقل حضوراً أو أقل قدرة على منافسة الثقافة الوافدة. والمقصود تحديداً هو التبادل غير المتكافئ، حين تمتلك دولة، أو شركات إعلامية كبرى، أدوات الإنتاج والتوزيع واللغة والصورة والتقنية، فتفرض حضورها الثقافي عبر الأخبار والأفلام والمسلسلات والإعلانات والموسيقى والمنصات الرقمية. نشأ مفهوم «الغزو الثقافي» أو «الإمبريالية الإعلامية» في سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية، ثم ازداد وضوحاً في الخمسينات والستينات مع استقلال كثير من دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، فقد حصلت هذه الدول على استقلال سياسي، لكنها بقيت تابعة اقتصادياً وتقنياً وإعلامياً للمراكز الغربية الكبرى. في هذا السياق، بدأ باحثون في الاتصال الدولي يلاحظون أن الأخبار العالمية تأتي غالباً من وكالات غربية كبرى، وأن الأفلام والبرامج التلفزيونية والإعلانات القادمة من الولايات المتحدة وأوروبا لا تنقل الترفيه فقط، بل تحمل معها قيماً استهلاكية وصوراً عن الحداثة والنجاح والمرأة والأسرة والعمل والحياة اليومية، ولهذا ظهر السؤال: من المستفيد من هذا التدفق الثقافي؟ ومن أوائل الخبراء في هذا المجال الباحث الأميركي هربرت شيلر الذي أصدر كتابه الشهير بعنوان «الاتصال الجماهيري والإمبراطورية الأميركية» في عام 1969م، وكتابه الآخر بعنوان «الاتصال والسيطرة الثقافية» في عام 1976م، رأى شيلر أن السيطرة الإعلامية الأميركية ليست مجرد انتشار بريء للثقافة الشعبية من أفلام ومسلسلات وموسيقى وإعلانات، بل جزء من نظام اقتصادي وسياسي عالمي يجعل الدول النامية مستهلكة للرموز والصور والبرامج والأنماط الاستهلاكية المنتجة في الدول الغربية وبالذات الولايات المتحدة الأميركية، وتأتي أهمية شيلر من أنه ربط الإعلام بالشركات العابرة للحدود، وبالإعلان، وبالبنية الاقتصادية للاتصال، وليس بالمضمون الإعلامي فقط. كما يُعد الباحث البريطاني أوليفر بويد بارت من أبرز الباحثين في دراسات الاتصال الدولي والسيطرة الإعلامية، وقد أسهم منذ سبعينات القرن العشرين في تطوير الفهم النظري لمفهوم الغزو الثقافي من خلال التركيز على بنية النظام الإعلامي العالمي، وليس على المحتوى الإعلامي وحده. قال بويد بارت إن الهيمنة الثقافية تبدأ من السيطرة على مصادر إنتاج الأخبار والمحتوى الإعلامي وتوزيعها، ولذلك صاغ مفهوم «الإمبريالية الإعلامية»، الذي يشير إلى اعتماد كثير من الدول على المؤسسات الإعلامية ووكالات الأنباء والتقنيات القادمة من الدول الصناعية، مما يجعل تدفق المعلومات يسير في اتجاه واحد من المركز إلى الأطراف. وركز في أبحاثه على أن النفوذ الإعلامي لا يمارس عبر الأفلام أو البرامج فقط، بل أيضاً عبر البنية التحتية للاتصال، وملكية المؤسسات الإعلامية، وشبكات توزيع الأخبار، وهو ما يمنح الدول والشركات الكبرى قدرة مستمرة على تشكيل الرأي العام العالمي. وحالياً، في العصر الرقمي، لم يعد كثير من الباحثين ينظرون إلى الغزو الثقافي بوصفه عملية أحادية الاتجاه تفرض فيها ثقافة واحدة هيمنتها الكاملة على بقية الثقافات، بل يرون أن الواقع الرقمي أكثر تعقيداً، إذ أصبحت الجماهير المحلية أكثر قدرة على إنتاج المحتوى وإعادة تفسيره ومقاومته، كما برزت مراكز ثقافية وإعلامية جديدة في دول ومناطق عديدة خارج الغرب. لذلك، لا يزال مفهوم الغزو الثقافي يحتفظ بقيمته التحليلية، ولكن بصيغة مختلفة ومتجددة، تركز على اختلال توازن القوة في البيئة الرقمية، وعلى السيطرة على المنصات والبيانات والبرمجيات، بدلاً من الاقتصار على انتقال الرسائل الإعلامية بين الدول.