الصراع الدولي حول حرية الإعلام

لم تكن حرية الإعلام يوماً مفهوماً متفقاً عليه على المستوى الدولي، بل كانت دائماً موضع خلاف سياسي وثقافي واقتصادي. فبينما تنظر بعض الدول إلى حرية الإعلام باعتبارها حقاً أساسياً في تداول المعلومات دون قيود، ترى دول أخرى أن هذه الحرية ينبغي أن تقترن بالمسؤولية الاجتماعية، واحترام السيادة الوطنية، وحماية الهوية الثقافية، ومنع الاحتكار الإعلامي. وقد بلغ هذا الخلاف ذروته خلال سبعينات وثمانينات القرن العشرين مع صدور «تقرير مكبرايد»، الذي يعد أحد أكثر الوثائق تأثيراً وإثارة للجدل في تاريخ الإعلام الدولي، و»تقرير مكبرايد» هو مجموعة من الدراسات العلمية صدرت عام 1980م بعنوان «أصوات متعددة… عالم واحد» قامت بإعداده لجنة دولية بتكليف من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) لدراسة مشكلات الاتصال الدولي، وترأس اللجنة السياسي والإعلامي الأيرلندي شون مكبرايد، الحاصل على جائزة نوبل للسلام، ولذلك عرف التقرير باسمه، وتكونت اللجنة من ستة عشر عضواً يمثلون اتجاهات سياسية وثقافية مختلفة، وضمت باحثين وصحفيين ومسؤولين من دول متقدمة ونامية، واستغرقت أعمالها عدة أعوام قبل أن تنشر نتائجها رسمياً في المؤتمر العام لليونيسكو عام 1980. انطلق التقرير من مبدأ أن الاتصال حق إنساني وركيزة من ركائز التنمية والعدالة الاجتماعية، وارتبط بمطلب سياسي أوسع عرف باسم «النظام الإعلامي والاتصالي الدولي الجديد»، كان الهدف من هذا المشروع إعادة تنظيم النظام الإعلامي العالمي بحيث يصبح أكثر توازناً، ويحد من احتكار الدول الصناعية الكبرى لتدفق الأخبار والإنتاج الإعلامي. دعمت الدول النامية، ومعها كثير من الباحثين في الإعلام والتنمية، توصيات التقرير، معتبرة أنها خطوة نحو تحقيق العدالة الإعلامية والتنوع الثقافي. وفي المقابل، عارضت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية الأخرى التقرير بشدة. فقد رأت أن بعض أفكاره قد تستخدم لتبرير تدخل الحكومات في عمل وسائل الإعلام، وأن الدعوة إلى تنظيم تدفق المعلومات قد تتحول إلى وسيلة لتقييد حرية الصحافة. وهكذا ظهر خلاف جوهري بين تصورين مختلفين لحرية الإعلام: الأول، يرى أن المشكلة الأساسية هي تدخل الدولة في الإعلام، ولذلك يجب حماية حرية الصحافة من السلطة السياسية. أما الثاني، فيرى أن المشكلة لا تقتصر على الحكومات، بل تشمل أيضاً هيمنة المؤسسات الإعلامية الكبرى والشركات العابرة للحدود، وأن العدالة الإعلامية لا تتحقق إلا بتقليل هذا الاحتكار. وفي عصرنا الحالي، لا تزال قضية اختلال تدفق المعلومات، وعدم المساواة في إنتاج المحتوى، وهيمنة الشركات الكبرى على الاتصال العالمي، من الموضوعات الأساسية في بحوث الإعلام والاتصال. ولهذا ينظر كثير من الباحثين إلى تقرير مكبرايد باعتباره وثيقة سبقت عصرها، لأنه ناقش قضايا أصبحت أكثر وضوحاً مع ظهور الإنترنت. فمع انتشار الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، تغيرت طبيعة الصراع دون أن يختفي. ففي البداية اعتقد كثيرون أن الشبكة ستنهي احتكار الإعلام التقليدي، لأن أي فرد أصبح قادراً على نشر المحتوى والوصول إلى جمهور عالمي، لكن الواقع كشف عن ظهور مراكز قوة جديدة، فقد أصبحت شركات التكنولوجيا العملاقة تتحكم بدرجات متفاوتة في منصات توزيع المحتوى، والإعلانات الرقمية، وجمع البيانات، وسياسات الإشراف على الخطاب العام. وبذلك انتقل الجدل من سؤال: من يملك وسائل الإعلام؟ إلى أسئلة جديدة مثل: من يملك المنصات والبرمجيات التي تقوم عليها؟ ومن يحدد ما يراه المستخدمون؟ ومن يقرر حذف المحتوى أو الإبقاء عليه؟ وهكذا لم يعد الخلاف مقتصراً على العلاقة بين الحكومات ووسائل الإعلام، بل أصبح يشمل أيضاً العلاقة بين الحكومات، وشركات التكنولوجيا، والمجتمع المدني، والمستخدمين أنفسهم.