بعد ست سنوات على الانهيار المالي، تبدو الزراعة اللبنانية، للوهلة الأولى، كأنها استعادت جزءاً من قيمتها. وبحسب تقرير «الإنتاج الزراعي اللبناني 2020-2025» الصادر عن مركز الأبحاث والدراسات الزراعية اللبنانية، بلغت القيمة الإجمالية للإنتاج الزراعي في لبنان 2.89 مليار دولار في عام 2025، مقارنةً بـ2.17 مليار دولار في عام 2024، أي بزيادة 33%. ويتوزّع هذا الرقم بين 2.03 مليار دولار للإنتاج النباتي و865.2 مليون دولار للإنتاج الحيواني. لكنّ القراءة التفصيلية للأرقام تكشف عن أنّ الزراعة تتحرّك داخل سوق مضطربة، حيث ترتفع القيمة أحياناً لأن الأسعار ارتفعت، لا لأن الإنتاج تحسّن بالضرورة. في الإنتاج النباتي، كان التحسّن الأكبر في الأشجار المثمرة. فقد ارتفعت قيمة هذا القطاع إلى 650.5 مليون دولار في عام 2025، مقارنةً بـ482.3 مليون دولار في عام 2024. ويقول تقرير مركز الأبحاث والدراسات الزراعية اللبنانية إن هذا القطاع واصل تعافيه من آثار الانهيار المالي عام 2019، رغم الشروط الصعبة على مستوى الإنتاج والتسويق، مع سنة استثنائية للحمضيات والتفاح والموز والدراق والأفوكادو. لكنّ هذا التحسن لا يخلو من دلالات مُقلِقة. فالتفاح، مثلاً، سجّل قيمة قياسية بلغت 212.25 مليون دولار، بزيادة 66% عن عام 2024، رغم أن الإنتاج لم يستعد مستوياته الطبيعية بسبب الشتاء المعتدل والصقيع في مرحلة عقد الثمار. أي إن القيمة ارتفعت لأن الأسعار عوّضت تراجع الإنتاج، لا لأن القطاع صار أقوى إنتاجياً. «الأفوكادو» يبدو، في المقابل، أحد القطاعات القليلة التي تجمع بين توسّع المساحات وتحسّن الإنتاج والتسويق. وبحسب التقرير نفسه، ارتفعت قيمته من 20.3 مليون دولار في عام 2024 إلى 36.5 مليون دولار في عام 2025، مع زيادة الإنتاج 56% وتحسّن الأسعار نتيجة الصادرات الجيدة. كما ارتفعت قيمة الموز إلى 96.45 مليون دولار، مستفيدةً من عودة الأسعار إلى مستويات طبيعية بعد تأثّرها بالحرب التي جرت في المنطقة في عامي 2023 و2024، ومن اعتماد هذا القطاع شبه الحصري على السوق السورية. غير أن هذه النقطة تحديداً تكشف هشاشة أخرى. فنجاح بعض الزراعات لا يزال مرتبطاً بسوق تصديرية واحدة أو بعدد محدود من الأسواق. في المقابل، كانت الزراعات الحقلية، من الحبوب والبطاطا والبصل والثوم والأعلاف، أكثر تعبيراً عن الأزمة. فقد تراجعت قيمتها الإجمالية من 186.85 مليون دولار في عام 2024 إلى 129.55 مليون دولار في عام 2025، بانخفاض 30%. ويعزو تقرير «الإنتاج الزراعي اللبناني 2020-2025» هذا التراجع إلى أزمة تسويقية حادّة في البطاطا والبصل. البطاطا وحدها هبطت قيمتها من 126.7 مليون دولار في عام 2024 إلى 72.35 مليون دولار في عام 2025، بانخفاض 43%، رغم أن كمية الإنتاج لم تنهَر. ويشرح التقرير أن الأزمة مستمرة للسنة الثالثة نتيجة تأثير البطاطا المُستوردة المنخفضة الكلفة على أسعار حملة عكار، واستمرار مشاكل التصدير، ولا سيما الحظر السعودي على الاستيراد من لبنان، إضافة إلى ظروف الحرب في عامي 2024 و2025. أمّا البصل، فتراجعت قيمته بنسبة 46% إلى 8.7 ملايين دولار، بعدما أدّى ضعف التصدير والجفاف إلى إغراق السوق المحلي بأسعار متدنّية. ولا تنفصل هذه الأرقام عن مشكلة أوسع في سلاسل التسويق والحماية التجارية. فبحسب التقرير، تراجعت قيمة الخُضر والزهور من 316.55 مليون دولار في عام 2024 إلى 272.7 مليون دولار في عام 2025، بانخفاض 14%. ويشير التقرير إلى أن الخُضر المكشوفة واجهت انخفاضاً حاداً في أسعار البيع عام 2025، بلغ 30% في شمال لبنان و75% في جبل لبنان، ويُعزى ذلك إلى تهريب الخُضر، وخصوصاً البندورة، من سوريا خلال موسم القطاف. بهذا المعنى، يخسر المزارع بسبب المناخ والحرب، بل يضاف إلى ذلك سبب وجود سوق غير منظّمة تسمح بدخول إنتاج منافس في اللحظة التي يحتاج فيها إلى بيع موسمه. انعكاسات الحرب تظهر بوضوح في قطاع الزيتون. فبحسب تقرير مركز الأبحاث والدراسات الزراعية اللبنانية، يُعدّ الزيتون من أكثر المحاصيل تأثّراً بالحرب التي بدأت في 8 تشرين الأول 2023 واشتدّت بعد 23 أيلول 2024، مع إشارته إلى استمرار التوغّلات الإسرائيلية وتدمير بساتين الزيتون حتى بعد وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024. ومع ذلك، ارتفعت قيمة محصول الزيتون 4% في عام 2025 إلى 95 مليون دولار، مقارنةً بـ91.3 مليون دولار في عام 2024. هنا أيضاً، لا يعكس ارتفاع هذه القيمة تحسّن شروط الإنتاج، بل قدرة الأسعار على تغطية جزء من الخسائر أو الاضطرابات في المحاصيل. وتتقاطع هذه الخلاصة مع ما نشرته صحيفة «الغارديان» عن أضرار الحرب على المزارعين في جنوب لبنان، إذ أشار تقريرها إلى خسائر واسعة طاولت المواشي والمحاصيل وبساتين الزيتون القديمة، وإلى أن القصف الإسرائيلي ألحق أضراراً كبيرة بالزراعة ومصادر العيش الريفية. وبذلك، يظهر أن الحرب هي سبب مباشر لتعطيل الإنتاج وخسارة المواسم وتراجع القدرة على الوصول إلى الأرض. إلى جانب الحرب، كان الجفاف واحداً من العوامل الحاسمة في عام 2025. ويشير تقرير مركز الأبحاث والدراسات الزراعية اللبنانية إلى تخفيض الجفاف المساحات المُنتجة في الحبوب بنسبة 33% للقمح و55.4% للشعير، ومع ذلك ارتفعت قيمة الحبوب 37% بسبب ارتفاع أسعار قش القمح والشعير الذي يُستخدم للعلف. هذا يعني أن القطاع سجّل قيمة أعلى في الدفاتر، لكنه خسر جزءاً مهماً من قدرته الإنتاجية. وفي تقرير لوكالة «رويترز» نُشر في تموز 2025، تمّ وصف الجفاف في لبنان بأنه الأسوأ على الإطلاق، بعدما تراجعت مستويات المياه في بحيرة القرعون، أكبر خزّان مائي في البلاد، إلى مستويات تاريخية. وبحسب التقرير، لم تتجاوز واردات البحيرة خلال الموسم الرطب 45 مليون متر مكعّب، مقارنةً بمعدل سنوي يبلغ 350 مليون متر مكعّب، ما هدّد الزراعة وإمدادات المياه والكهرباء، ولا سيما في البقاع. وتظهر آثار الجفاف أيضاً في قطاع العنب. فبحسب تقرير مركز الأبحاث والدراسات الزراعية اللبنانية، ساعدت زيادة الري على تخفيف أثر الجفاف على العنب المخصّص للأكل، فبقي إنتاجه جيداً من حيث الكمية والنوعية، في حين تراجع إنتاج عنب النبيذ المبكر بسبب موجة الحر في تموز، وبقي إجمالي إنتاج عنب النبيذ منخفضاً. وفي تقرير آخر لـ«رويترز» من البقاع، ظهرت آثار الحرب والجفاف على قطاع العنب والنبيذ، إذ تحدّث التقرير عن خسائر في القطاع، وعن تراجع متوقّع في المحصول بسبب الجفاف، بالتوازي مع أضرار الحرب التي طاولت منشآت ومزارع في المنطقة. أمّا في الإنتاج الحيواني، فالصورة مختلطة. فبحسب تقرير مركز الأبحاث والدراسات الزراعية اللبنانية، ارتفعت قيمته الإجمالية إلى 865.28 مليون دولار في عام 2025، مقارنةً بـ730.77 مليون دولار في عام 2024، أي بزيادة 18%. واحتفظ قطاع الدواجن بموقعه كأكبر مكوّن في الإنتاج الحيواني، مع قيمة بلغت 433.6 مليون دولار، شبه مستقرة مقارنةً بـ429.25 مليون دولار في عام 2024. وبحسب التقرير فإنّ هذا الاستقرار أتى بسبب وقف التهريب من سوريا وزيادة إنتاج لحم الدجاج والبيض بنحو 10%. كما ارتفعت قيمة إنتاج الحليب 18% إلى 111.55 مليون دولار، نتيجة زيادة عدد الأبقار الحلوبة وارتفاع سعر الحليب، فيما تراجعت قيمة اللحوم قليلاً إلى 47.63 مليون دولار. لكنّ قطاع الأسماك يعكس مجدداً أن القيمة يمكن أن ترتفع وسط تراجع الكميات. فبحسب التقرير نفسه، ارتفعت قيمة الإنتاج السمكي من 155.25 مليون دولار في عام 2024 إلى 251.4 مليون دولار في عام 2025، بزيادة 62%، رغم انخفاض الإنتاج من 18 ألف طن إلى 17 ألف طن. ويشرح التقرير أن تصحيحاً كبيراً في الأسعار، بنحو 100%، رفع القيمة الإجمالية، بينما تراجع إنتاج الترويت إلى النصف نتيجة تدمير مزارع سمكية على نهر العاصي خلال حرب 2023-2024 وعدم عودة بعضها إلى الإنتاج. وفي المقابل، سجّلت تربية النحل قفزة استثنائية. فبحسب تقرير مركز الأبحاث والدراسات الزراعية اللبنانية، ارتفعت قيمة الإنتاج من 3.05 ملايين دولار في عام 2024 إلى 21.1 مليون دولار في عام 2025، أي بزيادة 600%. وذلك بسبب تحسّن الظروف المناخية وارتفاع متوسط إنتاج القفير من كيلوغرام واحد في عام 2024 إلى 5 كيلوغرامات في عام 2025، رغم خسارة 10% من القفران في جنوب لبنان خلال حربي 2023 و2024. وهذه حالة نادرة في التقرير حيث يجتمع تحسّن الإنتاج مع تحسّن القيمة، لا ارتفاع الأسعار وحده. ما تكشفه هذه الأرقام، في النهاية، هو أن الزراعة اللبنانية لم تخرج من الأزمة بقدر تأقلمها معها. فبحسب منظّمة الأغذية والزراعة، وُضعت «الاستراتيجية الوطنية للزراعة 2020-2025» بدعم تقني منها لمعالجة أولويات القطاع الزراعي والغذائي في لبنان، بما يشمل تعزيز صمود المزارعين، تحسين الإنتاجية، تطوير سلاسل القيمة، وإدارة الموارد الطبيعية بصورة أكثر استدامة. غير أن أرقام 2025 تُظهِر الفجوة بين هذه الأهداف والواقع، إذ إن هناك قطاعات تنمو بفضل الصادرات، وقطاعات تنهار بسبب عدم التسويق، ومحاصيل ترتفع قيمتها لأن الإنتاج ندر، وأسواق تتأثّر بالتهريب والحظر والحرب والجفاف. الخلاصة العامة هي أن الزراعة لم تتعافَ. والخلاصة الأدق هي أن القطاع أصبح أكثر تفاوتاً، بحيث تستفيد بعض الزراعات من التصدير أو الأسعار المرتفعة، فيما تبقى زراعات أساسية مثل البطاطا والبصل والخُضر مكشوفة أمام السوق والتهريب وغياب الحماية. ماهر سلامة - الاخبار The post الزراعة اللبنانية عام 2025: قيمة أعلى... وقــطاع أكثر هشاشة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.