أبعاد استراتيجية وعسكرية للاجتماع الثالث لمجلس التنسيق السعودي - التركي الأبعاد الاستراتيجية أكد الطرفان في بداية الاجتماع على أهمية تأطير التعاون الحالي والمستقبلي ضمن إطار مجلس التنسيق السعودي التركي كإطار مؤسسي يضمن التقدم المستدام والازدهار المشترك، مع التأكيد على ضرورة الاستفادة من القدرات والموارد المتاحة لكلا البلدين واستثمارها بما يحقق المنافع المشتركة. التوقيت الاستراتيجي للاجتماع يحمل اجتماع أنقرة الثالث زخماً استراتيجياً متعدد الأبعاد يرتبط بالسياق الإقليمي والدولي المتحول. فمن الناحية الإقليمية، تأتي المحادثات في وقت يتزايد فيه القلق من تصاعد حدة التوتر بالقرب من منطقة الخليج، لا سيما مع تطورات الحرب مع إيران وتأثيراتها المباشرة على أمن الملاحة في مضيق هرمز والاستقرار الإقليمي بشكل عام. كما أن التحولات الجذرية التي شهدتها الساحة السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد أحدثت واقعاً جيوسياسياً جديداً يفرض على البلدين إعادة رسم استراتيجياتهما الأمنية والاستراتيجية. أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال الاجتماع على «أهمية تعزيز المصالح الإقليمية لضمان أمن واستقرار دائمين في المنطقة»، في إشارة واضحة إلى سعي أنقرة لبناء تعاون إقليمي فاعل يحد من التدخلات الخارجية ويعزز دور الدول الإقليمية في إدارة أزماتها. وقد سبق هذا الاجتماع اجتماع مماثل في أبريل 2026 جمع وزراء خارجية المملكة وتركيا ومصر وباكستان، في محاولة لتشكيل إطار إقليمي موسع للتعامل مع التحديات المشتركة. توسيع مجالات التعاون الاستراتيجي شمل الاجتماع مراجعة عمل اللجان في القطاعات الاستراتيجية التالية: التجارة والاستثمار حجم التبادل التجاري وصل إلى 6.8 مليارات دولار في 2023، محققاً نمواً بنسبة 15 %. الطاقة وتسريع دراسات الجدوى للربط الكهربائي بين البلدين، تطوير تقنيات الهيدروجين النظيف. الدفاع تطوير التعاون في المجالات الدفاعية والعسكرية المعادن الحرجة استكشاف الموارد المعدنية واستخراجها ومعالجتها. النقل والثقافة والتعليم تعزيز الشراكات في هذه القطاعات التوقيعات والاتفاقيات. رؤية 2030 والتوطين العسكري يندرج التعاون العسكري السعودي التركي ضمن سياق أوسع يتمثل في رؤية المملكة 2030 التي تستهدف توطين 50 % من إجمالي الإنفاق الدفاعي. وقد حققت الرياض تقدماً ملموساً في هذا المسار، إذ ارتفعت نسبة التوطين من 4 % عام 2018 إلى 19.35 % بنهاية 2023، ثم إلى 24.8 % عام 2025، ما يعكس الالتزام الراسخ بالتحول نحو الاكتفاء الذاتي في القطاع الدفاعي. تُمثّل الميزانية الدفاعية السعودية البالغة 72.5 مليار دولار لعام 2025، والمرتفعة بنسبة 5 % عن عام 2024، سادس أكبر ميزانية دفاعية في العالم، ما يمنح الرياض قدرة مالية هائلة على تعزيز شراكاتها الدفاعية وتنويع مصادر تكنولوجياتها العسكرية. وتسعى المملكة من خلال التعاون مع تركيا إلى الاستفادة من الخبرة التركية المتقدمة في مجال توطين الصناعات الدفاعية، خاصة في قطاع الطائرات بدون طيار الذي نجحت أنقرة في تطويره بشكل لافت. 2 3 4 1 التعاون العسكري والدفاعي محور أساسي للشراكة شكّل التعاون العسكري والدفاعي الركيزة الأبرز للاجتماع الثالث، حيث وقّع الجانبان على هامشه محضر اللجنة العسكرية والأمنية الذي يتضمن تطوير التعاون في مجالات الدفاع والأمن الإقليمي. يعكس هذا التطور القفزة النوعية التي شهدها التعاون العسكري بين البلدين، والذي تحول من مجرد صفقات شراء أسلحة إلى شراكة صناعية شاملة تشمل التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا وتوطين الإنتاج. تُمثّل صفقة شراء طائرات الأقينجي بدون طيار من شركة بايكار التركية، التي وقعت في يوليو 2023 خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسعودية، ولقائه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، النموذج الأبرز لهذا التعاون. وقد بلغت قيمة هذه الصفقة التاريخية 3.1 مليارات دولار، ما يجعلها أكبر عقد تصدير دفاعي فردي في تاريخ تركيا. ويتضمن العقد توريد طائرات أفينجي، مع بدء التسليمات عام 2025 وبدء الإنتاج المحلي في السعودية عام 2026، مستهدفة نسبة توطين تصل إلى 70 %. الأبعاد الجيوسياسية للتقارب يحمل التقارب العسكري السعودي التركي أبعاداً جيوسياسية عميقة تتقاطع مع المصالح الإقليمية والدولية المتعددة. فمن ناحية، يسعى البلدان إلى خلق بيئة أمنية جديدة تعزز الاستقرار في الشرق الأوسط وتحد من هيمنة القوى الكبرى على القرارات الإقليمية. ومن ناحية أخرى، يهدف هذا التقارب إلى تعزيز الدعم في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة. لا يُشكّل هذا التعاون عداءً للغرب، إذ أن الرياض وأنقرة تظلان شريكتين حيويتين لواشنطن في المنطقة، غير أن التوجه نحو تنويع مصادر التسليح والتقنيات العسكرية يعكس رغبة البلدين في تقليل الاعتماد على طرف واحد، خاصة مع القيود والشروط التي كانت تُفرض على مبيعات الأسلحة الغربية في بعض الفترات. ورغم الرغبة المتزايدة للشراكة العسكرية، ثمة تحديات من الناحية التقنية، ربما تعتمد المشاريع التركية للطائرات في التطوير مستقبلا على محركات مستوردة، ما يطرح مخاطر تتعلق بفرض عقوبات على المعدات الحيوية، كما حدث مع دول أخرى. كما قد ترى القوى الغربية في صعود تركيا كمورد أسلحة للخليج تحدياً لشراكاتها العسكرية التقليدية. على الصعيد الإقليمي، قد يؤدي تسارع التقارب التركي الخليجي إلى ردود فعل سلبية من قوى إقليمية أخرى، كما أن النجاح الكامل لهذا التعاون يتطلب تجاوز العقبات اللوجستية والتقنية وضمان استدامة تدفق التكنولوجيا والخبرات بين البلدين. محطة مفصلية في مسار العلاقات يُمثّل الاجتماع الثالث لمجلس التنسيق السعودي التركي محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، حيث انتقل البلدان من مرحلة المصالحة السياسية إلى بناء شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز الأبعاد الاقتصادية لتشمل التعاون العسكري والصناعي والأمني. إن التوقيع على محضر اللجنة العسكرية والأمنية في أنقرة يُرسّخ هذا التوجه ويضع إطاراً مؤسسياً للتعاون المستقبلي. وفي ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة، يبرز التقارب السعودي التركي كعامل مؤثر في إعادة تشكيل معادلة القوة الإقليمية. ويظل مستقبل هذا التعاون مرهوناً بالقدرة على تجاوز التحديات التقنية والسياسية، والاستفادة من الفرص المتاحة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بما يخدم مصالح البلدين ويُسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي. الاهتمامات السياسية بين البلدين ستظل اختباراً حاسماً للأبعاد الأوسع لهذه الشراكة، لأنها ستُشكّل مختبراً حقيقياً وفاعلا من خلال التنسيق السعودي التركي في مواجهة التحديات الإقليمية المشتركة. كما أعرب الطرفان عن تطلعهما لعقد الاجتماع الرابع للمجلس في المملكة العربية السعودية في موعد يتفق عليه لاحقاً، مما يؤكد استمرارية هذا الإطار المؤسسي وتطويره. سيعكس هذا التطور تحولاً جيوسياسياً أوسع في المنطقة، حيث يسعى البلدان لتعزيز استقلاليتهما الاستراتيجية وتنويع الشراكات، من أجل بناء منظومة أمان إقليمية جديدة تستجيب للتحديات المتغيرة في الشرق الأوسط.