الدرعية والذهب الأسود.. تحولات ونماذج وطنية

ضمن برنامج مكتبة الملك عبدالعزيز العامة الثقافي، قدّم الكاتب والمترجم بندر الحربي، رئيس قسم النشر والتقارير في وزارة الطاقة، محاضرة ثقافية ومعرفية بعنوان "السرد المؤسسي التاريخي: تحويل الأحداث إلى قصة وطنية"، أدارتها الأستاذة إيمان الغامدي، رئيس قسم التدقيق والمصادر في "سعوديبيديا"، وركزت المحاضرة على الدور الاستراتيجي الذي يلعبه السرد في تحويل الوقائع التاريخية المحفوظة إلى قصص حيّة تصنع الانتماء وتمنح الشرعية وتفتح الطريق إلى المستقبل، مستعرضة نماذج سعودية تطبّق هذا المفهوم على أرض الواقع. وتناولت المحاضرة الفرق الجوهري بين التوثيق والسرد، موضحة أن التوثيق يجيب عن سؤال: "ماذا حدث؟"، بينما يضيف السرد سؤالًا أعمق هو "ماذا يعني ذلك لنا؟"، وأن تحويل الماضي إلى سرد يستلزم انتقاء اللحظات ذات المعنى، وصياغتها في قالب قصصي، وتوجيهها نحو غاية حاضرة تبني الثقة والفخر اليوم. واستعرض المحاضر ثلاثة نماذج سعودية معاصرة تمثّل مستويات متفاوتة من السرد المؤسسي التاريخي: ملتقى التاريخ العسكري الذي تنظمه وزارة الدفاع بالتعاون مع دارة الملك عبدالعزيز وجامعة الطائف بوصفه سردًا أكاديميًا توثيقيًا، ومتحف الذهب الأسود في الرياض الذي يحوّل قصة اكتشاف النفط إلى تجربة فنية وإنسانية بعيدة عن الطرح التقني الجاف، وبوابة الدرعية بوصفها سردًا مكانيًا تجريبيًا يجمع بين البعدين الثقافي والاقتصادي. وسلّط الحربي الضوء على أهمية السرد في الوصول إلى الجيل الذي لم يعاصر بدايات التحول، مشيرًا إلى أن نحو 70 % من سكان المملكة دون سن الخامسة والثلاثين، وأن هذه الشريحة لا تملك ذاكرة معاشة عن تلك المرحلة، ما يحتّم تحويل الذاكرة التواصلية إلى ذاكرة ثقافية دائمة عبر المتاحف والمعارض والمناسبات الوطنية. كما تطرّق إلى تجربة "سابك" في إصدار تقارير متكاملة تجمع بين لغة الأرقام والسرد القصصي، باعتبارها نموذجًا لتكامل التحليل المالي مع الهوية المؤسسية. واختُتمت المحاضرة بنقاش ثري تضمّن الإشارة إلى الزخم الإعلامي والاحتفالي المصاحب للمناسبات الوطنية الكبرى بوصفها مناسبات مصمَّمة لنقل الذاكرة بين الأجيال. وتناول النقاش توصيات عملية لبناء السرد المؤسسي، أبرزها صياغة قصة جوهرية واحدة تجسد الرؤية والرسالة، وصناعة مناسبات وفعاليات حية تروى فيها القصص، والتمييز بين الأرشيف بوصفه موردًا والذاكرة بوصفها رصيدًا حيًّا يُستثمر. يُذكر أن مكتبة الملك عبدالعزيز العامة تواصل عبر هذه السلسلة من المحاضرات تعزيز الوعي المعرفي حول دور التاريخ في بناء الهوية الوطنية، بما ينسجم مع توجهات رؤية المملكة 2030 في الاستثمار بالتراث والثقافة بوصفهما رافدًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.