الدرعية فخرُ السعودية
ثمة مدن على خرائط اتساع الجغرافيا الطبيعية تتلاشى وتنسى من الذاكرة، إلا مدينة الدرعية، فهي لا تزال حالمة وتنبض بالحياة في كل ملامحها وممراتها، حيث تظل الدرعية ذات طابع خاص ولها وقع إيقاع دافئ ومتصاعد، فهي المكان الذي لا يزال يخلّد فينا عبق الماضي، أما وجهها المشرق لبيوتات الطين ورواشين النوافذ وأبواب جذوع النخيل التي شكلت الرافد الأول لمواد البناء، وشكلت النخلة كذلك الغذاء الأساسي بزادها المبارك، وقد وصفت العرب التمر بعبارة موجزة استحقت حقيقة المعنى ليكون التمر حقاً هو «حلـــوى الغني وزاد الفـــقير». إن ملامح الدرعية حتماً تنسرب في الذات وتترسخ في نفسِ كل من يفد إليها ويقف على روحِ مكانها، الدرعية حين يعبرها الزائرون يعتريهم شعور خاص ممتزج بالرضا والبهجة وحالة من الدهشة، ومتواليات لا تنتهي من الرفاهية، وحتى خروج حتمي من أسر الكآبة وكدر الحياة، وتمنحهم تجربة فريدة لأحد أهم المعالم الثقافية والحضارية والتاريخية في المملكة، والزائر من الناحية المعرفية يشعر أنه يلج من بوابة التاريخ، فهي تلهم زائريها لتساؤلات تتجاوز مقولات من بناء ومن شيد ليعيش في حقب تاريخية مهمة أسهمت بشكل مباشر في تغيير مجرى التاريخ في الجزيرة العربية، وهذه الأيام الدرعية تجمع بفضل رؤية المملكة بين الأصالة والمعاصرة، فهي موشومة بعراقة الماضي وأصالة التاريخ، وتتبدى في حلة جديدة نحو مستقبل زاهر لتلد من جديد وهي تستقبل العالم، هكذا في الدرعية فخر السعودية تتشكل علاقة الوجوه فيها وتتوثق ببعض، فلا الماضي انفصل عنها ولا هي تخلت عن ركب الحضارة والتواصل الإنساني وكذا مواكبة التطور، حتى أننا نجد أن المكان يتغير بحيوية فاعلة وبتوثبات قوية انطلقت من مداميك بيوت الطين، ومن ملامح المشغولات اليدوية والحرف التراثية، لتتواءم وتتماهى مع كل أبعاد الزمن، ولتستهوي كل الناس في هذا العالم، وما يزيد الدرعية في حضورها الفاعل أنها تقع على تخوم وادي حنيفة بتبايناته الموحية، وتحف جنبات ذلك الوادي أنواع من النخيل بظلالها الوارف، الأمر الذي يمنح المكان روعة وجمالاً ممتداً عبر النظر البعيد، فحي الطريف التاريخي ينقلك نحو كل تفاصيل الماضي، أما إطلالات البجيري هي اليوم تمثل وجهة فاخرة لتناول الأكلات السعودية وارتشاف قهوتها في أجواء خيالية ومداليل مكتظة ومكثفة بأنساق متعددة في ملامح لها بعدها في التأثير النفسي ولها آمادها بمواطن الإحساس والروعة والجمال، وهنا يظل الوصف قاصراً عن الحقيقة والواقع الذي يزخر بما لا يمكن وصفه في عجالة، ودون معايشة المكان والوقوف على أرض واقع الدرعية وهي بحلتها الجديدة، فإن ذلك يمنحنا صورة أقل من الحقيقة، ونكون أقل حظاً في التجربة لمكان فريد يوقظ فينا كل معاني الذوق والفن والجمال. تلك هي الدرعية المليحة بخمارها الجميل حين تحلت برداء الرؤية الذي يجمع بين الهيبة والوقار، بعد أن توشحت بأصالة الطين وحداثة الضوء، وهي في سباق متسارع لتتسع لكل هذا العالم الذي يبحث عن الفرح والجمال والأصالة والتاريخ.