الخؤولة عند العرب حجر زاوية في آدابها وأدبها، وتراثها الاجتماعي الذي يسجل الفخر بالأخوال أو فخر الأخوال بابن أختهم، واكتسابه لخصال أخواله الحميدة، واعتداده بهم، وفي هذا الجانب نجد القصص والأشعار والخطب على امتداد التاريخ العربي، فالنابغة الجعدي يقول: فلولا أن تغلب رهط أمي وكعب وهو مني ذو مكان تراجمنا بصدر القول حتى نصير كأننا فرسا رهان وما قاله الوليد بن يزيد بن معاوية: نَبِيُّ الهُدى خالي وَمَن يَكُ خالُهُ نَبِيَّ الهُدى يَعلُ الوَرى في المَفاخِرِ وللبيد بن ربيعة: وَشارَفَ في قُرَى الأرْيافِ خَالي وأُعْطيَ فوقَ ما يُعْطَى الوُفُودُ وقال حسان: جَدي أبو ليلى ووالده عمروٌ وأخوالي بنو كَعْبِ ومما قاله الفرزدق: وَضَبَّةُ أَخوالي هُمُ الهَامَةُ الَّتي بِهَا مُضَرٌ دِعَامَةُ لِلْجَمَاجِمِ وقال آخر مرسخاً قوة تأثير الخال: والله ما أشبهني عصام... لا خلق منه ولا قوام... نمت وعرق الخال لا ينام. ولدى العرب قناعة راسخة بتأثير الأخوال في الملكات والصفات من شجاعة وكرم ونباهة وذكاء وبلاغة لسان وحسن بيان وفراسة ومواهب مختلفة، فعلى سبيل المثال زهير والأعشى وطرفة بن العبد والفرزدق أتاهم الشعر من قبل أخوالهم حسب ما جاء في بعض كتب التراث العربي، وهناك الكثير من القصص التي توثق منعة الأخوال وحمايتهم لابن أختهم، وفي هذا الجانب يقول علي بن عبدالله بن عباس: أبي العباس قرم بني قصي وأخوالي الكرام بنو وليعة هم ملكوا بني أسد وأوداً وقيساً والعمائر من ربيعة هم منعوا ذماري يوم جاءت كتائب مسرف وبنو اللكيعة. ومما جاء في هذا الجانب من الشعر الشعبي، والذي يتماهى مع الفصيح في أغراضه ومواضيعه والقيم التي يتبناها؛ قول شاعر لم أستطع الوصول لاسمه: خوالي اللي طيبهم يرفع الرأس والصيت فوق الرأس مثل العصابة طاريهم أفخر به وأماري به الناس ويزيدني عز وشموخ ومهابة وقال نايف أبا العون: خالي ليا منّ الولد قال خالي أقول للي قال لي خال.. لي خال ما هوب من طيب المواقيف خالي لا والله إلا درع، وحزام، وظلال يا خال دام اللي ببالك ببالي فلا توصيني على طيب الأفعال أنا وريث أبوي .. وانتم خوالي وشلون أجل يا خال ما صير رجال ومن الأمثلة الدارجة: «الخال والد»، «ثلثي الولد لخاله»، «الخال خليل». كانت هذه مجرد نماذج تعطي فكرة عامة ومختصرة عن قيمة الخؤولة عند العرب مع ما قد تحتاج إليه هذه النماذج من مراجعة وإضافة، ولعله من المناسب الإشارة إلى دراسة الدكتور عبدالرحمن الدباسي المنشورة في مجلة جامعة الإمام في عددها السابع تحت مسمى الخؤولة عند العرب. وفي جانب ملازم لقيمة الخؤولة والخال، جانب يلامس وجع فقد الخال، ومحاولة تماسك الابن أمام أمه التي فقدت أخاها، هنا يمر الإنسان بحالة استيعاب يحاول فيها ألا يفقد توازنه، وأن يتماسك حتى لا يؤجج لوعة الفقد في روح أمه؛ خصوصًا وأن هذا الخال لم يكن اسمًا عابرًا في حياة أقاربه وجيرانه وأصدقائه، ومن عرفه أو تعامل معه، فالإنسانية والمروءة تتجسد في صور بشر، كان خالي الشيخ عبدالله بن سعيد الشهري -رحمه الله- أحدها. كان الشهم الذي لا يخذلك والكريم الذي لا تعلم شماله عن فعل يمينه، والرحمة التي تشبه المطر، والجليس الذي لا تمله ولا تود رحيله، ولكنه رحل، وعزاؤنا فيه التسليم بانقضاء الأجل المحتوم لكل خلقه ورحيله من الفانية إلى الباقية عند أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وعزاؤنا ما سمعناه ممن جاءوا لتعزيتنا فيه، ومنهم من نعرف ومن لا نعرف من كل الجنسيات. والعزاء الآخر؛ هذا الحقل الذي تتمثل صورته أمامي وأنا أكتب هذا المقال؛ حقل من سنابل أبناء وبنات وأحفاد وأسباط، وأزواج بنات، وزوجات أبناء. حقل يسر الناظرين ويواسي المحبين، وأثر سيٌخلِد الاسم والأفعال وطيب الذكر لطيِب الذكر خالي. وجانب متصل آخر يرتبط بالدراسات الأنثروبولوجية، هناك من يرى أن هذه الظاهرة عند العرب التي تعلي من شأن الخؤولة مؤشر على مرحلة من مراحل النظام الأموي الذي كان سائدًا في فترة حضارية عند حضارات أخرى غير الحضارة العربية كانت تعتمد على الانتساب إلى الأم كما يرى من يتبنى هذه النظرية، وكان لهذه الظاهرة والنظرية أسبابها المرتبطة بأحوال المجتمعات وطبيعة الحياة وشكل العلاقات، ولكن وفي كل الأحوال لا نستطيع أن نمر بتاريخنا العربي وإرثنا الأدبي دون أن نتوقف عند حالة واضحة جلية من رفع العرب لقيمة الخؤولة.