الحمد لله على التمام
ودّعت مواكب الحجيج أمس السبت مكة المكرمة بعد قضاء نسكهم وإتمام أدائهم للركن الخامس من أركان الإسلام. وفي لحظات روحانية تفيض بالخشوع والانكسار، أدى الحجاج طواف الوداع في المسجد الحرام، مودعين الكعبة المشرفة بقلوب دامعة وأرواح مفعمة بالإيمان، بعد أن أتموا مناسكهم وأيامهم المباركة في مكة المكرمة، حيث وقفوا في البيت العتيق للمرة الأخيرة قبل مغادرتهم. وكان حجاج بيت الله الحرام قد واصلوا أمس السبت أداء نسك رمي الجمرات في ثالث أيام التشريق وآخر أيام الحج، حيث توافدوا إلى منشأة الجمرات لرمي الجمرات الثلاث مبتدئين بالجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة اقتداءً بسنة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في أجواء إيمانية مفعمة بالسكينة والطمأنينة. وشهدت منشأة الجمرات انسيابية عالية في حركة الحشود منذ ساعات الصباح الأولى مدعومة بخطط تفويج دقيقة وتنظيم ميداني متكامل أسهما في تسهيل تنقل الحجاج بين مسارات الرمي ومخارج المنشأة وفق منظومة تشغيلية متقدمة راعت كثافات الحشود ومواعيد التفويج بما مكّن ضيوف الرحمن من أداء النسك بيسر وأمان. وتكاملت الجهود الأمنية والصحية والخدمية في مختلف المواقع المحيطة بمنشأة الجمرات من خلال انتشار الفرق الميدانية ومراكز الإرشاد والخدمات الإسعافية بما يعزز سلامة الحجاج ويرتقي بجودة الخدمات المقدمة لهم خلال رحلتهم الإيمانية في المشاعر المقدسة. وتعكس النجاحات التشغيلية والتنظيمية التي شهدتها حركة الحجاج خلال أيام التشريق مستوى التكامل بين الجهات المعنية وكفاءة الخطط الميدانية المعتمدة لإدارة الحشود والتنقلات بما ينسجم مع مستهدفات المملكة في الارتقاء المستمر بالخدمات المقدمة لضيوف الرحمن وإثراء تجربتهم الإيمانية خلال موسم الحج. وفي أروقة الحرم المكي، امتزجت مشاعر الرهبة بالمحبة، والفرح بالحزن، فبينما يشعر الحاج بالسعادة لأداء الفريضة، تتسلل إلى قلبه مشاعر الأسى وهو يغادر أطهر بقاع الأرض، وقد علت وجوه كثير منهم علامات التأثر، وسالت دموعهم في صمت وهم يطوفون حول الكعبة، كأنهم لا يريدون أن تنتهي هذه اللحظة. وشهدت لحظات الوداع بين الحجاج عناقاً وتبادل عناوين وعبارات توديع ودموع الفراق لصحبة جمعتهم في هذا المكان حب وطاعة وقرب من الله، ملامح الفصل الأخير من أيام منى المتكررة مع كل جموع الحجيج على مر الأزمان. وتبادل ضيوف الرحمن في ختام النُّسك التهاني بعد إتمام الفريضة وكلهم أمل في أن يعودوا إلى بلدانهم محمّلين بالذكريات الجميلة والحكايات الروحانية التي يشعر بها الحجاج، منى البيضاء التي تميّزت بأفضل الممارسات الحضرية على مستوى العالم من حيث توفير المسكن واحتضانها الخدمات الشاملة ورعاية حجاج بيت الله الحرام وأنفقت عليها الدولة المليارات بسخاء دون مِنّة أو رياء جسّدت كل معاني البياض، بياض الوجوه التي تشع نوراً وإيماناً، بياض الإحرام وبياض الخيام وبياض القلوب. قصة وداع تبقى عالقة في الذاكرة، فكل اللحظات والدقائق والأماكن والبقع في المشاعر المقدسة عاشوا فيها ذكريات وقصص جميلة وملأها الحب والسعادة عمروها بالطاعات والذكر والعبادة لله، سكبوا فيها الدموع والعبرات رغبة ورهبة بين يدي مولاهم الرحمن، يحدوهم الأمل والرجاء بقبول النسك ومغفرة الذنوب. وشهدت حركة جموع الحجيج المودعة لمكة المكرمة أمس موجات بشرية متحركة في ختام نسكهم برمي الجمرات ثم التحرك صوب طرقات المسجد الحرام بانسيابية تنظِّمها سواعد مخلصة من رجال الأمن البواسل التي واصلت ساعات التنظيم تلك تحت لهيب أشعة الشمس، متمركزين في مداخل منى جنوبًا حتى مخارجها بالتقاء مكة المكرمة شمالًا لحماية ضيوف الرحمن التي حاطت بهم الرعاية الأمنية من كل صوب، فالطائرات العمودية والرحلات الاستطلاعية لم تفتأ تواصل المراقبة الجوية من المشاعر إلى رحاب البيت العتيق، فيما ظلت كاميرات الرصد موزعة بين غرف القيادات والمراقبة تحت أنظار البواسل الدقيقة ترصد كل تحركاتهم من المشاعر إلى مكة المكرمة.