الحر يخنق أوروبا

ليست المرة الأولى التي تعاني فيها القارة الأوروبية الحر الشديد الذي يقضي على مئات الأشخاص ويشل الحياة العامة، ويضع الملايين أمام امتحان الصمود في مواجهة حر قاتل. ففي عام 2003 أودى الحر بحياة نحو 70 ألف شخص، ما دفع الحكومات إلى وضع خطط عمل عاجلة.ومع ذلك، وبعد عقدين لا تزال الوفيات الناجمة عن الحر الشديد تصيب الآلاف سنوياً، حيث تم تسجيل أكثر من 1300 حالة وفاة خلال الأسبوع الماضي في القارة التي شهدت دولها عاصفة حرارية تجاوزت ال40 درجة، وتجاوزت ال30 درجة حتى في الدائرة القطبية الشمالية، وكذلك بلغت درجة حرارة أسطح المحيطات أعلى مستوياتها. ووفقاً للمركز الأوروبي للتنبؤات الجوية فإن «أوروبا هي القارة الأسرع في زيادة درجات الحرارة، وقد باتت آثار ذلك أكثر خطورة».دول كثيرة اضطرت لإصدار تحذير من المستوى الأحمر، وتم إغلاق المدارس وتأجيل مناسبات احتفالية في الهواء الطلق، وفرض حظر على المشروبات الكحولية، كما أدت إلى اضطرابات في حركة السكك الحديدية وعمليات توليد الكهرباء. وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، «بفعل تغير المناخ والاحتباس الحراري العالمي، أصبحت ظاهرة موجة الحر التي كانت تحدث مرة واحدة في الجيل تتكرر الآن بشكل سنوي تقريباً.. لقد تم تحذيرنا».المشكلة التي يعانيها الأوروبيون أن المنازل وأماكن العمل والمدارس لم تبنَ كي تتحمل هذه الدرجات من الحرارة، إذ إن معظم المنازل غير مزودة بأجهزة تكييف، والحصول عليها يتطلب جهداً وانتظاراً لعدم توفرها، ما يزيد من معاناتهم وتعرضهم للإرهاق الجسدي، حتى إن العديد من المستشفيات غير مزودة بأجهزة تكييف، ما أدى إلى وفاة أشخاص نقلوا إليها بعد تعرضهم لضربات شمس.وقال فريق «وورلد ويذر أتيبيوس» المؤلف من علماء، إن موجة الحر هذه هي الأشد على الإطلاق التي يتم تسجيلها في أوروبا، وكان «من المستحيل حصولها في يونيو/ حزيران لولا التغير المناخي».يعود سبب هذا الطقس الحار غير المعتاد إلى ما يعرف باسم «قبة الحرارة» التي تعمل تماماً كغطاء فوق قدر يغلي، إذ يحبس نظام الضغط الجوي المرتفع، القادم من شمال إفريقيا، الهواء الساخن فوق أوروبا داخل الغلاف الجوي ويسبب حركة الهواء البطيئة للغاية.خسائر أوروبا فادحة قياساً بما يحصل في العالم، إذ إن القارة تضم أقل من 10 في المئة من سكان العالم، لكنها سجلت أكثر من ثلث وفيات الحرارة المقدرة من قبل منظمة الصحة العالمية بين عامي 2000 و2019، وفقدت أوروبا وفقاً لإحصاءات منظمة الصحة أكثر من 200 ألف شخص بسبب ارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات الأربع الماضية.لا شك أن ما حصل في أوروبا، وما قد يحصل في أماكن أخرى على الكرة الأرضية يحمل بصمات تغير المناخ بسبب انبعاثات الوقود الأحفوري، وهي نتيجة النشاط البشري، وفشل كل الجهود والمؤتمرات التي عقدت على مدى السنوات الماضية في حمل الدول الصناعية المصدّرة الأساسية لانبعاثات الكربون التي تؤدي إلى الاحتباس الحراري على الالتزام بما يتم الاتفاق عليه من قرارات، وإقناع دول أخرى بأن الاحتباس الحراري هو سبب ما تتعرض له الكرة الأرضية من كوارث بيئية مثل الحرارة المرتفعة والحرائق والعواصف والفيضانات.الطبيعة غاضبة منا لأننا ندمر كل شيء.. وإذا لم نتحرك الآن فسيكون الأوان قد فات.