الحرم المكي.. قصة توسعة عبر القرون
المسجد الحرام.. ذاكرة العمارة وروح الشعر العربي من الكعبة إلى المآذن.. تاريخ الحرم في الوجدان الإسلامي الكعبة المشرفة أطهر وأقدس مكان على وجه الأرض، هي قبلة المسلمين في الصلاة، ومقصدهم لأداء العمرة وفريضة الحج. قال تعالى: «وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» [الحج: 27]. والكعبة أول بيت وُضع للعبادة، قال تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ» [آل عمران: 96-97]. والكعبة وما حولها من مطاف ومسعى هي البيت والمسجد الحرام، وسُمّي بذلك لأن الله حرّم القتال فيه. قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ» [الحج: 25]. فذكر -جلّ ثناؤه-صفة المسجد الحرام أنه جعله مكانًا آمنًا للعبادة للناس كلهم من أهله ومن الوافدين إليه. ولبيان تلك المكانة نستعرض تاريخ عمارة المسجد الحرام، ومكونات الحرم والكعبة، وصورة الحرم والكعبة في وجدان الشعراء. التاريخ المعماري للمسجد الحرام بناء البيت العتيق عبر التاريخ: ويبدأ تاريخ المسجد الحرام بتاريخ بناء الكعبة المشرفة التي بناها أول مرة الملائكة كما ورد في بعض الروايات التاريخية قبل آدم -عليه وعليهم السلام-، لكنها هُدمت بفعل طوفان نبي الله نوح -عليه السلام-، وبعد الطوفان أمر الله -جل شأنه- النبي إبراهيم مع ابنه إسماعيل -عليهما السلام- بإعادة بناء الكعبة، وأوحى لهما بمكان البيت، قال تعالى: «وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ» [الحج: 26]. وبقيت الكعبة على حالها يرعاها سادة مكة ومنهم جد النبي -صلى الله عليه وسلم- قصي بن كلاب، وهو أول من سقّف الكعبة بخشب الدوم وجريد النخيل، وذلك قبل بناء قريش للكعبة بزمن طويل. إلى أن أعادت قريش بناءها في الجاهلية، بعد عام الفيل بحوالي ثلاثين عاماً، إذ حدث حريق كبير نتج من محاولة امرأة تبخير الكعبة فاشتعلت النار وضعف البناء، ثم جاء سيل فحطم أجزاء الكعبة، واتفقت بطون قريش أن لا يُدخلوا في بنائها إلا مالاً طيباً، فقصرت بهم النفقة فأخرجوا ثلاثة أمتار من جهة الحطيم أو حِجر إسماعيل. ومما أضافته قريش أنهم رفعوا بناء الكعبة ما يزيد على ثمانية أمتار بعد أن كان قرابة خمسة أمتار، رفعوا الباب من مستوى المطاف ليدخل الكعبة من أرادوه وسدوا الباب الخلفي المقابل لهذا الباب وسقفوا الكعبة وجعلوا لها ميزاباً يسكب مياه الأمطار في الحطيم، وقد حضره النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وكان يبلغ من العمر حينها 35 سنة وشارك أعمامه في العمل. ولما أرادت قريش أن ترفع الحجر الأسود لتضعه في مكانه اختصمت بطون قريش فيما بينها، حتى كاد يقع بينهم قتال، ثم اصطلحوا على أن يحكّموا بينهم أول رجل يخرج عليهم من هذه السكة، فكان رسول الله أول من خرج فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر الأسود في مِرطٍ -أي كساء- ثم يرفعه زعماء القبائل فرفعوه ثم ارتقى محمد فوضعه بيده الشريفة مكانه، فحلت بذلك المشكلة التي كادت تسبب حروباً بين قريش. التوسعات عبر العصور الإسلامية بدأها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- 17هـ ونفّذ أول توسعة في الإسلام، حين اشترى البيوت المحيطة بالحرم وهدمها لضيق المطاف على الناس، وأحاط المسجد بسور قصير وكان مفتوحًا وأعاد مقام إبراهيم إلى مكانه بعد أن اقتلعه السيل، فزادت المساحة لتصبح 2350 م². ثم توسعة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 26هـ، وأدخل بعض البيوت المحيطة في ساحته، وأدخل الأروقة المسقوفة والأعمدة الرخامية إلى المسجد، فزادت وأصبحت 4390 م². فبناء عبدالله بن الزبير: ففي عهده أعيد بناء الكعبة بعدما أصابها من الحريق مع توسعة المسجد الحرام في السنة 65هـ، وضاعفت من مساحة المسجد فبلغت عشرة آلاف متر مربع. فبناء الحجاج بن يوسف في عهد الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان، فأعاد بناء الكعبة على أساس قريش وسد الباب الغربي وسد ما تحت عتبة الباب الشرقي لارتفاع أربعة أذرع ووضع مصراعين يغلقان الباب. فتوسعة الوليد بن عبدالملك: فكانت عمارة التوسعة الرابعة للمسجد وذلك في سنة 91هـ، بعد سيل جارف أصابها، وقد زاد من مساحة المسجد فوق 2800 متر، وكان أحد من استعمل الأعمدة التي جُلبت من مصر والشام في بناء المسجد الحرام بعد عثمان بن عفان الذي كان أول من أدخل الأعمدة والأروقة. وكان عمل الوليد عملاً محكماً بأساطين الرخام، وقد سقّفه بالساج وهو نوع من الأشجار الضخمة ذات الخشب الصلب جداً، وجعل على رؤوس الأساطين الذهب وأزرّ المسجد من داخله بالرخام، وجعل على وجوه الطيقان الفُسَيْفساء، وشيد الشرفات ليستظل بها المصلون من حرارة الشمس. وفي العصر العباسي وسّع أبو جعفر المنصور العباسي 137 - 140هـ، الركن الشامي، وبنى مئذنة في الركن الشمالي الغربي «مئذنة بني سهم». وأضاف رواقًا واحدًا ينفذ على صحن المسجد، وغطى بئر زمزم، وبلغت الزيادة نحو 4700 م². ونفّذ محمد المهدي العباسي - 160 و 164هـ - توسعتين: الأولى 160هـ فأكمل توسعة أبيه المنصور من الجانب الغربي واليماني، وبلغت الزيادة 7950 م². والثانية 164هـ: لما رأى الكعبة ليست في وسط الساحة أمر بتعديل التوسعة وشراء الدور المجاورة، وانتهت في عهد ابنه موسى الهادي بزيادة 2360 م². فأصبح للمسجد 4 مآذن في أركانه الأربعة. ثم هدم المعتضد بالله العباسي - 284هـ - دار الندوة وضمها للمسجد، وجعلها رواقًا مدعمًا بأساطين وأروقة مسقفة بخشب الساج، وفتح 12 بابًا في حائط المسجد ووصل الجزء الجديد به، فبلغت الزيادة 1250 م². وضم المقتدر بالله العباسي 306هـ دارين كانتا للسيدة زبيدة إلى مساحة المسجد. فبلغت الزيادة 850 م²، وجعل للدار المضافة بابًا كبيرًا عُرف بباب إبراهيم. وفي العهد العثماني: كان بناء السلطان مراد الرابع بعد أن تهدمت جدران الكعبة عقب أمطار غزيرة شهدتها مكة عام 1039هـ / 1630م خربت الدور وسقط جدارها الشامي وجزء من الجدارين الشرقي والغربي، فأمر السلطان مراد بتجديدها على أيدي مهندسين مصريين سنة 1040هـ / 1630م. ثم لم تأتِ أي توسعة لمساحة المسجد الحرام بعد توسعة السلطان مراد الرابع إلا في العهد السعودي، واقتصرت الأعمال بين عهد السلطان مراد والعهد السعودي على الترميمات، وإصلاح الأجزاء المتضررة من البناء. التوسعات السعودية الأولى كانت التوسعة الأولى التي أمر بها الملك عبدالعزيز -رحمه الله- وبدأ تنفيذها في عهد الملك سعود -رحمه الله- عام 1375هـ / 1955م، حيث شملت بناء ثلاثة طوابق للمسجد، وتوسيع المطاف، وبناء المسعى، مع الحفاظ على الأروقة التاريخية. واستكمل الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- إنجاز توسعة المسجد الحرام التي بدأت في عهد أخيه الملك سعود، والتي أمر بها والدهما الملك عبدالعزيز، فوضع مقام إبراهيم في قالب بلوري عام 1387هـ/1967م، وأزيل البناء القائم عليه توسعة للطائفين. وفي عام 1391هـ/1971م أمر ببناء مبنى لمكتبة الحرم المكي الشريف، وفي العام الذي يليه أمر ببناء مصنع كسوة الكعبة المشرفة في موقعه الجديد في أم الجود، وتوسيع أعماله. وفي عهد الملك خالد بن عبدالعزيز -رحمه الله-، تمت صناعة باب جديد للكعبة المشرفة، صممه المهندس السوري منير الجندي، وصُنع الباب من الذهب الخالص بوزن إجمالي بلغ 280 كجم تقريباً عيار 99.99. التوسعة السعودية الثانية في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- عام 1409هـ/1989م، وأضافت مساحات ضخمة في الجهة الغربية، وساحات خارجية واسعة، بنزع ملكيات عقارات السوق الصغير غرب المسجد الحرام، وتعويض أصحابها بمبالغ مرضية؛ تهيئة لتوسعة كبرى للمسجد الحرام، وزوّدت المباني بالسلالم الكهربائية وأنظمة التكييف الحديثة، واستبدلت أعمدة الكعبة الخشبية التي يعود تاريخها أكثر من 1200 عام بأخرى جديدة من خشب الساج «التيك» الصلب جُلبت من بورما. ودعمت الأرضية بالرخام. التوسعة السعودية الثالثة تُعد الأضخم في التاريخ، وانطلقت في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- عام 1432هـ/2011م، حيث أضافت التوسعة مساحة مقدارها الثلثان مقارنة مع المساحة السابقة للمسجد الحرام، وتشتمل على مبنى التوسعة الرئيس للمسجد الحرام، وتوسعة المسعى، والمطاف، والساحات الخارجية والجسور، والمساطب، ومجمع مباني الخدمات المركزية ونفق الخدمات، والمباني الأمنية، والمستشفى، وأنفاق المشاة، ومحطات النقل والجسور المؤدية إلى الحرم. واستكمل التوسعة وافتتحها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- وضاعفت هذه التوسعة مساحة الحرم لتصل إلى قرابة مليون وخمس مئة ألف متر مربع، وشملت توسعة صحن المطاف واستحداث «الرواق السعودي» ليستوعب قرابة ثلاثمئة ألف مصلّ وشملت ترميم وصيانة الكعبة المشرفة من الداخل والخارج، وصيانة وتجديد مقام إبراهيم. مكونات الحرم المكي والكعبة الشريفة الحجر الأسود: أشهر أجزاء الكعبة، ويبدأ الطواف به، وتقبيله سنّة، وهو من أحجار الجنة، كما ورد في بعض الأحاديث النبوية الشريفة. ركن الحجر الأسود: وهو الركن الممتد من أعلى الكعبة إلى أسفلها، ويقع فيه الحجر الأسود ووضع أسفله خط المرمر البني المرسوم على الأرض، من اتجاه ركن الحجر الأسود، ويحدد علامة لبداية الطواف ونهايته. باب الكعبة: ويقع في الجهة الشرقية من الكعبة، وهو مرتفع عن الأرض بأكثر من مترين، وارتفاعه يزيد عن 3 أمتار، فيما يقل عرضه عن مترين، وقد تسابق الخلفاء والأمراء، على مدى 1400 سنة في تجميل هذا الباب، وتلبيسه الذهب والفضة. الميزاب: ويسمى «ميزاب الرحمة» ومنه يصب المطر الذي يتساقط على سطح الكعبة المشرفة، في حجر إسماعيل. الشاذروان: وهو الرخام المائل المحيط بقاعدة الكعبة المشرفة، ويستدير على الكعبة من جميع الاتجاهات عدا باب الكعبة. حجر إسماعيل: ويسمى الحطيم لأنه تحطم وانفصل عن الكعبة، بعدما أعادت قريش بناء الكعبة، لحرصهم على أن يكون البناء بأموال طاهرة. الملتزم: وسُمّي هكذا لالتزام الطائفين في هذا المكان للدعاء بعد الطواف، وكان في الجاهلية يلتزمه بعض المذنبين هرباً من القتل لعظم حرمته عند العرب. مقام إبراهيم: وفيه صخرة طُبعت فيها أقدام نبي الله إبراهيم، عندما أمره الله بالإذن للناس في الحج. الأركان: إضافة إلى ركن الحجر الأسود نجد الركن اليماني: ويقع يمين الكعبة، وهو اتجاه اليمن الآن. والركن الشامي: وهو باتجاه الشام، وكل ما يليه، يسمى قديماً بـ»الشام». والركن العراقي: وهو باتجاه العراق، فقد سميت طرق الحج، قديماً، على أسماء البلاد القادم منها الحجاج، ومن ثم نُسبت هذه الأجزاء، لطرق الحج التي ترد لهذه الأركان. ستارة الكعبة: وهي الجزء الأشهر في الكعبة، والأكثر بروزاً ومشاهدة، وكان أول من كسا الكعبة هو تبع اليماني، ومن بعده بدأ الملوك يكسون الكعبة، وقد كساها الرسول كسوة بيضاء، بينما كانت قبل الإسلام حمراء، ثم خضراء، وأخيراً سوداء، وبقيت هكذا حتى الآن. الكعبة من الداخل: موضع مهيب أرضيتها من الرخام الأبيض، وجدرانها مكسوة برخام ملون ومغطاة بستارة من الحرير الأحمر منقوشة بالشهادتين وأسماء الله الحسنى. ويوجد بداخلها ثلاثة أعمدة خشبية تدعم السقف، وتسعة أحجار من الرخام نُقشت عليها آيات قرآنية، بالإضافة إلى باب يُؤدي إلى سطح الكعبة. زمزم: تقع داخل المسجد الحرام على بعد 20 مترًا شرق الكعبة المشرفة. يعود تاريخها إلى أكثر من خمسة آلاف عام، حيث تفجرت معجزتها لتكون سقيا لهاجر وابنها إسماعيل -عليهما السلام- بأمر من الله حين تفجر الماء تحت قدمي نبي الله إسماعيل وهو رضيع حين تركه أبوه إبراهيم -عليهما السلام- في وادٍ غير ذي زرع. وقد طُمرت البئر مع مرور الزمن حتى أعاد حفرها عبدالمطلب بن هاشم -جد النبي محمد - قبل البعثة النبوية. وتقع حاليًا تحت صحن المطاف بالمسجد الحرام، لتروي رواد المسجد الحرام وزواره بشبكة مبردة متوزعة في أنحاء الحرم، ويتم ضخ مائها وتوزيعه وفق أعلى المعايير. الصفا والمروة: هما جبلان صغيران يقعان داخل المسجد الحرام بمكة المكرمة، ويرتبطان بشعيرة السعي في الحج والعمرة. ويمثلان موقع بحث السيدة هاجر عن الماء لابنها إسماعيل، حيث تفجر ماء زمزم. ويقع الصفا في بداية المسعى عند قاعدة جبل أبي قبيس جنوب المسجد الحرام. بينما تقع المروة في نهاية المسعى، وهي أكمة صغيرة متصلة بـجبل قعيقعان. مآذن المسجد الحرام: كانت أول مئذنة بناها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، في الركن الغربي للمسجد. ثم بنى المعتضد العباسي منارة باب الزيادة، وفي العصور المملوكية والعثمانية تواصل بناء المآذن، فأضيفت منارة السلطان قايتباي، ومنارة السلطان سليمان القانوني لتصبح 7 مآذن. وصولاً إلى توسعات السعودية لتضم 13 مئذنة تتوزع على الأبواب الرئيسة، والتوسعات الجديدة، وهي منارتان بباب العمرة طولهما 137م، ومنارتان بباب الملك عبدالعزيز طولهما 137م، ومنارتان بباب الملك فهد طولهما 98م، ومنارة واحدة بباب الصفا طولها 98م، ومنارتان بباب الفتح طولها 137م، وأربع منارات بالتوسعة السعودية الثالثة طولها 135م. المسجد الحرام والكعبة في الشعر العربي تغنى الشعراء بمكة وحرمها وكعبتها عبر العصور ليعبروا عن مكانتها في قلوبهم، وتعلقهم بها في قصائد خالدة سنمر ببعضها مرورًا زمنيًا: وفي عصر صدر الإسلام: يقول الحسين بن علي –رضي الله عنهما- ت 61هـ / 680م عند رؤية أعرابي يطوف حاملاً أمه: إنْ تركبي على قَذالي فاركبي فطالما حملتني وسِرْتِ بي في بطنكِ المطهر المطيّبِ كم بين هذاك وهذا المركبِ وفي العصر الأموي: قال الفرزدق – ت 110هـ / 728م في هشام بن عبدالملك وعلي بن الحسين: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم ويقول أبو الشمشمق – في القرن 2هـ / 700-800م عن الحج المبرور: إذا حججت بمال أصله دنس فما حججت ولكن حجت العير ما يقبل الله إلا كلَّ طيبة ما كل من حج بيت الله مبرور وفي العصر العباسي: نجد عمر بن حيان الضرير – القرن 3هـ / 800-900م يثرب على بعض الحجاج الذين يعودون ولا يجلبون هدايا: كأن الحجيج الآن لم يقربوا مني ولم يحملوا منها سواكًا ولا نعلا أتونا فما جاؤوا بعود أراكة ولا وضعوا في كف طفل لنا نُقْلا وفي العصر المملوكي: يقول أبو الحسن الحصري القيرواني – ت 413هـ / 1022م في رثاء ابنه: يَا لَيْتَ شِعْرِي أَيْنَ المُلْقَى أَمَا تَرَى القَوْمَ قد أشاطا طاب فلو عاش حاز علمي وحاول الحج والرباطا وابن عبد البر القرطبي – ت 463هـ / 1071م، يقول عن الطواف والوقوف: عفت المنازل غير أرسم دمنة حييتها من دمنة ورسوم كم ذا الوقوف ولم تقف في منسك كم ذا الطواف ولم تطف بحريم ولابن الجوزي – ت 597هـ / 1200م قصيدة: «أنخ ركابك» في مدح البلد الحرام: أنخ ركابك يا من شئت مغفرة بأبي قبيسٍ وأقصد ذلك الحرم وهي دعوة صادقة للحاج والزائر لمناجاة رب البيت في الحِجر والملتزم، بأسلوب وعظي مباشر يذكّر بفضل المكان. ولابن رزين الحنبلي – ت 606هـ / 1209م، قصيدة تعبر عن لواعج الشوق والحنين للكعبة، وتصور الكعبة كجاذب للأرواح والقلوب المتلهفة: يا كعبةً ملأتنا شوقاً يسوق العزائم كم ذا قلوب إليها مثل الطيور حوائم ويقول ابن لبال الشريشي – ت 634هـ / 1236م في وصف الرحلة إلى مكة: متى أقول وقد كلت ركائبنا من السرى وارتكاب البيد في البكر يا نائمين على الأكوار ويحكم شدوا المطي بذكر الله في السحر هذي البشارة يا حجاج قد وجبت غدا تحطون بين الركن والحجر وفي العصر المملوكي والعثماني: يقول خالد بن عيسى البلوي – 737هـ / 1336م في رحلته للأماكن المقدسة: رُفعَ الحجابُ لنا فلاحَ لناظري قمرٌ تقطَّع دونه الأوهام وإذا المَطيّ بنا بلغن محمدًا فظهورهن على الرجال حرام وهذا الشاعر الصنيعاني – القرن 11هـ / 1600م تقريباً يقول في الشوق إلى الأماكن المقدسة: نحن إلى تلك الربوع تشوقًا ففيها لنا عهد وعقد عقدناه ففي رَبعهم لله بيت مبارك إليه قلوب الخلق تهوي وتهواه يطوف بها الجاني فيغفر ذنبه ويسقط عنه جرمه وخطاياه فكم لذةٍ كم فرحةٍ لطوافه فلله ما أحلى الطوافَ وأهْنَاه وفي العصر الحديث والمعاصر: استمر الشعراء في تغنيهم بمكة وحرمها، قال الشاعر حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي العُماني – القرن 13هـ / 1800م عن مكانة مكة: بمكةَ لي غناءٌ ليس يفنى جوارُ الله والبيت المعظم ويقول الشيخ عبد الله الخلف الدحيان الكويتي – 1324هـ / 1906م مثنيًا على رجل ساعده في الحج: جزى الله مرزوق الرضا عن فعاله وأولاده إحساناً وحسن الشمائل وأني أعاني شدة الشوق للحمى فساعدني بالحمل فوق الرواحل ومن أشهر القصائد لأحمد شوقي – ت 1354هـ / 1926م قصيدة «إلى عرفات الله» وفيها وصف لرحلة الحج بالرغم من أنه لم يحج، ومنها: إلى عرفات الله يا خير زاد عليك سلام الله في عرفات على كل أفق في الحجاز ملائك تزف تحايا الله والبركات ... أرى الناس أفواجًا ومن كل بقعة إليك انتهوا من غربة وشتات تساووا فلا الأنساب فيها تفاوت لديك ولا الأقدار مختلفات ورصد الشاعر محمد طاهر الكردي – ت 1377هـ / 1958م توسعات الحرم من عمر -رضي الله عنه- إلى المقتدر بالله: أسماء من وسَّعه كما يلي جزاهم الله بخير الأمل «عمر» «عثمان» هما خير خلف و»ابن الزبير» ملحق بمن سلف ثم «الوليد» وكذا «المنصور» وبعده «المهدي» هو الشهير وبعده «المعتضد» العباسي فالمقتدر بالله ذو الإحساس فهؤلاء عُدهم ثمانية أخبارهم شهيرة وباقية ويقول بدوي الجبل – ت 1401هـ / 1981م، من قصيدة «الكعبة الزهراء»: أقعدني عنك الضنى فبعثتها شوارد شعر لم ترع بضريب أقمت وآمالي إليك مجدة تلف شروقًا معتمًا بغروب ... مواكب كالأمواج عج دعاؤها ونار الضحى حمراء ذات شبوب ولعبد المنعم الرفاعي – ت 1405هـ / 1985م قصيدة بدون عنوان تقدم فيها لوحة إيمانية صادقة عن الطواف والسعي واستشعار العظمة في رحاب المسجد الحرام. ولمحمد مهدي الجواهري – ت 1418هـ / 1997م قصيدة: في مكة تصور عظمة البيت الحرام ومكانته في القلوب: يا كعبةً حَجَّت إليها الأرواحُ واستلهمتِ التقوى بها الأرواحُ ولسعيد عقل – ت 1435هـ / 2014م، قصيدة جميلة، تغنى فيها بجمال مكة وروحانيتها: غنّيتُ مكةَ أهلَها الصيدا والعيدُ يملأ أضلعي عيدا وليحيى السماوي عن مكة والبلاد التي حوتها: أوصى بها الرحمن فهي عظيمة من غيرها الرحمن قد أوصى بها لو لم تكن خير البلاد على الثرى ما كان بيت الله فوق ترابها ونجد أغلب الشعراء السعوديين ذكروا مكة والكعبة والحرم في شعرهم، ومن ذلك: يقول محمد حسن فقي عن مكة: مكتي أنت لا جلال على الأر ض يداني جلالها أو يفوق كل حسن يبلى وحسنك يا مكــة رغم البلى الفتي العريق ولطاهر زمخشري: قصيدة في الشوق لمكة تعد رمزاً خالداً في الأدب السعودي، ومن أبرز أبياتها: أهيِمُ بِروحي على الرابِيَهْ وعِندَ المَطافِ وفي المَروَتَينْ أُهِيــمُ وقَلــبي دَقّــــــاتُهُ تَطيرُ اشتِياقاً إلى المَسجِدَينْ ويقول أحمد إبراهيم الغزاوي: عن ترحيب مكة مادحًا الملك «عبدالعزيز» طيب الله ثراه: نعمت بأوبك مكة وبطاحها واخضر واديها وشح شحاحها ولعبدالرحمن العشماوي فيما أنعم الله به من الأمن على الحرم: حرمٌ آمِنٌ وبيتٌ عظيمُ دونَه البدرُ رفعةً والنجومُ فيه للأمن قَلعةٌ يتلاشى عندها حاقدٌ ويَهوي لئيمُ ولمسلم العطوي عن الحرمين في ظل الأمن لهذه الدولة المباركة: هذا الحجاز يعيش الأمن مفتخراً والبيت في عزة والقبر في طهر وللشاعرة السعودية شريفة الهاشمية الملقبة بشاعرة الحرمين قصائد وجدانية تعبر عن حب مكة المكرمة والشوق لبيت الله الحرام. كقصيدة: يا مكة النور: يا مكة النور التي ما مثلها بين البقاع بعالم الأسباب وللشاعر حجاب الحازمي في مكة: هذه مكة الهدى تحتويني فذريني لخالقي ولديني. قد سئمت الفراغ والتيه حتى عُدْتُ من غربتي أسير شجوني خــاتــمـــة مرّ المسجد الحرام بمسيرة عمرانية متصلة تمتد من بنائه الأول على يد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، مرورًا بإعادة قريش وعبد الله بن الزبير والحجاج، وصولًا إلى التوسعات السعودية الثلاث التي جعلته اليوم أوسع مسجد على وجه الأرض وأكثره استعدادًا لاستقبال وفود الرحمن. ولم تقف العناية عند البناء، بل شملت مكونات البيت الحرام من الحجر الأسود إلى زمزم، ومن الصفا والمروة إلى المآذن الشامخة، فصارت كل زاوية فيه شاهدة على معنى الطهر والسكينة والأمن الذي خصّ الله به هذا المكان. وقد واكب هذه المسيرة عطاء أدبي لا ينقطع، فتغنّى الشعراء بالكعبة والحرم من عصر الحسين والفرزدق، إلى شوقي والجواهري، حتى شعراء العصر الحاضر، فكان الشعر مرآة لوجدان الأمة، يعبّر عن الشوق، ويخلّد المكانة والهيبة، ويوثّق اللحظة الإيمانية التي يعيشها الحاج والمعتمر. إعداد - د. محمد بن ناصر الخليف