الجُبيلة.. حين يكتب المكان سيرته

يأتي كتاب "الجُبيلة.. بين الماضي التليد والحاضر المجيد" للدكتور فهد بن ناصر العبود، بوصفه عملاً توثيقياً يتجاوز حدود التاريخ المحلي إلى فضاء أرحب، يجعل من المكان شاهداً على تحولات التاريخ، ومن الجغرافيا وعاءً للذاكرة الوطنية. منذ الصفحات الأولى يعلن المؤلف أن دافعه ليس مجرد تدوين أخبار بلدة، بل إنصاف مكان ظل حاضراً في مصادر التاريخ، وغائباً عن الدراسات المستقلة. لذلك تتوزع مادة الكتاب على ستة فصول تتناول الجُبيلة في التاريخ الإسلامي، وعلاقتها بالدولتين السعوديتين الأولى والثانية، ثم جغرافيتها وتضاريسها، وأحوالها في عهد الملك عبدالعزيز، قبل أن ينتقل إلى توثيق صورها القديمة ووثائقها الرسمية، في بناء متوازن يجمع بين الرواية التاريخية، والتحليل، والصورة، والوثيقة. وتبرز أهمية الكتاب في أنه يستثمر عدداً كبيراً من المصادر والمراجع، ويستعين بالخرائط والصور التاريخية والوثائق الرسمية، في محاولة لإعادة تركيب ذاكرة المكان بعيداً عن الروايات الشفوية وحدها. كما يمنح القارئ مادة ثرية عن معركة اليمامة، وآثار الجُبيلة، ومسارات القوافل، ووادي حنيفة، والعمران القديم، والشخصيات التي ارتبطت بتاريخ البلدة، وهو ما يجعل الكتاب مرجعاً لكل مهتم بتاريخ منطقة الرياض وتاريخ وسط الجزيرة العربية. ويحسب للدكتور فهد العبود أنه، رغم انشغالاته الأكاديمية والمهنية، لم يتخلَّ عن مسؤوليته الوطنية والمعرفية تجاه المكان، فجمع مادته بصبر الباحث، ودقة الأكاديمي، ووفاء ابن الأرض. وهو ما ينسجم مع مسيرته العلمية؛ أستاذاً متخصصاً في نظم المعلومات، ومهتماً بالتحول الرقمي، وعضواً سابقاً في مجلس الشورى، إذ يضيف إلى هذه المسيرة بعداً آخر يتمثل في صيانة الذاكرة الوطنية وتوثيقها. إن هذا الكتاب لا يكتفي بسرد تاريخ الجُبيلة، بل يقدّم نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه دراسات التاريخ المحلي حين تتأسس على الوثيقة، وتستنطق الجغرافيا، وتربط المكان بسياقه الوطني الأشمل. فهو كتاب يذكّر بأن المدن والقرى ليست مجرد عمران، وإنما خزائن للهوية، وأن حفظ تفاصيلها هو في النهاية حفظٌ لجزء من السيرة الكبرى للوطن.