بيانات الوظائف القوية تقود أسهم التكنولوجيا للتراجع مخاوف التضخم والتوترات تضغط على الأسواققفزة في عوائد السندات مع تقييم توقعات المسار النقديشهدت أسواق الأسهم الأمريكية موجة بيع واسعة النطاق الجمعة، أدت إلى تبخر نحو تريليوني دولار من القيمة السوقية خلال ساعات، بعدما أثارت بيانات الوظائف الأمريكية الأقوى من المتوقع مخاوف المستثمرين من إبقاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وربما التفكير في رفعها مجدداً قبل نهاية العام.وتراجعت المؤشرات الأمريكية الرئيسية الثلاثة بشكل حاد، بقيادة أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حيث انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 1%، فيما فقد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» نحو 2.4% من قيمته، بينما هبط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 4%، في واحدة من أكبر موجات التراجع التي تشهدها الأسواق خلال الفترة الأخيرة.وشملت الخسائر أسهم مجموعة الشركات العملاقة المعروفة باسم «السبعة العظام»، ومن بينها «إنفيديا» و«ألفابت» و«ميتا بلاتفورمز»، التي أغلقت جميعها على انخفاضات ملحوظة.أسهم الرقائق في قلب العاصفةكان قطاع أشباه الموصلات «الرقائق» الأكثر تضرراً من موجة البيع، إذ انهار مؤشر «فيلادلفيا لأشباه الموصلات» بنسبة 10.3% في يوم واحد، مسجلاً أكبر خسارة يومية له منذ تفشي جائحة «كوفيد-19» في مارس 2020، فيما خسر مؤشر «داو جونز» نحو 695 نقطة.وامتدت الخسائر إلى مختلف فئات الأصول العالمية، من الأسهم والسندات إلى النفط والذهب وحتى العملات المشفرة مثل البيتكوين. وكانت شركة «برودكوم» في مركز العاصفة، إذ رغم إعلانها نتائج مالية قوية هذا الأسبوع، تضمنت ارتفاع الإيرادات بنسبة 48% وقفزة مبيعات رقائق الذكاء الاصطناعي بنسبة 143%، فإن المستثمرين أصيبوا بخيبة أمل بعدما لم ترفع الشركة توقعاتها لإيرادات الذكاء الاصطناعي خلال العام الجاري.ومع وصول توقعات المستثمرين إلى مستويات مرتفعة للغاية، اعتُبرت توجيهات الشركة المستقبلية متحفظة، ما أدى إلى تراجع سهمها بنحو 20% خلال يومين فقط، وأسهم في تفجير موجة بيع واسعة في القطاع التكنولوجي.بيانات وظائف قوية تربك الفيدراليجاء المحفز الرئيسي للتراجعات من تقرير الوظائف الأمريكي لشهر مايو، الذي أظهر إضافة الاقتصاد الأمريكي 172 ألف وظيفة جديدة، متجاوزاً بشكل كبير توقعات الاقتصاديين التي كانت تشير إلى إضافة نحو 80 ألف وظيفة فقط.وعززت هذه البيانات القناعة بأن الاقتصاد الأمريكي لا يزال متماسكاً رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض وزيادة أسعار الطاقة المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.كما أظهرت البيانات مراجعة أرقام التوظيف للشهرين السابقين بالرفع بمقدار إجمالي بلغ 93 ألف وظيفة، ما يعكس استمرار قوة سوق العمل الأمريكية.قفزة في عوائد السنداتعقب صدور البيانات، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية بشكل فوري، مع إعادة المستثمرين تقييم توقعاتهم لمسار السياسة النقدية الأمريكية.وصعد العائد على سندات الخزانة لأجل عامين، الأكثر حساسية لقرارات الاحتياطي الفيدرالي، إلى أعلى مستوى له خلال 15 شهراً عند 4.16%.وعادة ما تشكل العوائد المرتفعة ضغطاً على أسهم التكنولوجيا، لأن ارتفاع أسعار الفائدة يقلل من القيمة الحالية للأرباح المستقبلية المتوقعة لهذه الشركات.تراجع توقعات خفض الفائدةكان المستثمرون يراهنون خلال الأشهر الماضية على أن تباطؤ التضخم سيفتح المجال أمام الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة قريباً، إلا أن تقرير الوظائف الأخير ألقى بظلال من الشك على هذا السيناريو.وقال غاري سكولزبيرغ، الاستراتيجي في معهد الاستثمار التابع لويلز فارغو: «نحن نتحدث عن اقتصاد قوي، وهذا يضيف المزيد من مخاطر التضخم القادمة من منطقة الخليج، ويجعل من الصعب على الاحتياطي الفيدرالي التفكير في خفض الفائدة، بل قد يزيد من احتمالات رفعها قبل نهاية العام».لماذا تلقت أسهم الذكاء الاصطناعي الضربة الأكبر؟كانت شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أكبر المستفيدين في «وول ستريت» خلال العامين الماضيين، مدفوعة بالحماس الكبير تجاه تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتوقعات خفض الفائدة.لكن القفزة المفاجئة في عوائد السندات دفعت المستثمرين إلى جني الأرباح من الأسهم ذات التقييمات المرتفعة، وعلى رأسها شركات الذكاء الاصطناعي.وتصدرت أسهم «إنفيديا» و«ألفابت» و«ميتا» موجة التراجع، مع إعادة المستثمرين تقييم ما إذا كانت التقييمات الحالية لهذه الشركات قابلة للاستمرار في حال بقاء تكاليف التمويل مرتفعة لفترة أطول.مخاوف التضخم تعود إلى الواجهةوتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة بفعل التوترات في الشرق الأوسط.وقال برت نويل، المحلل لدى منصة «أي تورو»، إن بيانات التوظيف كانت إيجابية للاقتصاد الأمريكي لكنها قد لا تكون كذلك بالنسبة للأسواق المالية.وأضاف أن التوصل إلى حل سريع للتوترات الجيوسياسية وتراجع أسعار النفط قد يساعدان في تهدئة مخاوف التضخم، إلا أن أي إشارة إلى تشدد أكبر من جانب الاحتياطي الفيدرالي قد تفرض ضغوطاً إضافية على أسواق الأسهم خلال الفترة المقبلة.