التوحد.. رؤية مختلفة للحياة، وهو ليس «مرضاً» يحتاج إلى علاج، بل هو اختلاف في الإدراك، يحتاج إلى تفهم واحتواء، فالأطفال من ذوي التوحد يمتلكون عالماً خاصاً، مليئاً بالتفاصيل والقدرات الفريدة، ودورنا هو أن نكون الجسر الذي يربطهم بالواقع، بكل حب ودعم.عندما نقول إن الطفل المصاب بطيف التوحد يرى العالم من منظور مختلف، فنحن نعني أن أسلوبه في فهم الأصوات، والضوء، والحركة، والتواصل، والمواقف الاجتماعية يختلف عن الطريقة المعتادة، التي نعرفها، فدماغه يعالج المعلومات بصورة خاصة، ما يجعله يركز على التفاصيل الدقيقة، ويتفاعل مع البيئة بطريقته الخاصة، وقد يفضل الروتين والوضوح، ويجد صعوبة في المفاجآت، أو التغيرات المفاجئة.هذا الاختلاف لا يعني ضعفاً أو نقصاً، بل هو تنوع في طريقة الإدراك، يستدعي منا الفهم والصبر والتعاون، فمع الدعم المناسب، يستطيع الطفل أن يطور تواصله، ويظهر قدراته، ويتعلم بأساليب تناسب نمط تفكيره، فالتوحد ليس فقداناً للمهارات، بل هو اختلاف يحتاج إلى احتواء وتقبل، كما ذكرنا، كي نساعد الطفل على الوصول إلى أفضل إمكاناته.*أسلوب مختلفالتوحد إذن ليس مرضاً، إنه أسلوب مختلف لتكون إنساناً، والأطفال من ذوي التوحد ليسوا مرضى، بل إنهم يواصلون ارتقاءهم عبر مراحل متتابعة، بالشكل والطريقة التي ننمو بها جميعاً، ولكي نساعدهم فإننا لسنا بحاجة إلى تغييرهم وإصلاحهم، وإنما بحاجة لأن نعمل على فهمهم، ومن ثم تغيير ما نقوم به بمقتضى هذا الفهم.حين يصبح الاختلاف لغة أخرى للفهم.. فإن المركز القومي للترجمة يقدم تلك الرؤية عبر كتاب «المتفرد» وهو العمل الذي وضعه باري م. بريزانت وتوم فيلدز ماير، وترجمه إلى العربية كل من زكريا القاضي وفكري محمد العتر.يقدم الكتاب رؤية إنسانية وعلمية تعيد طرح السؤال الأعمق: كيف نرى من يختبر العالم بطريقة لا تشبه أحداً.. لكن تشبه ذاته فقط؟ «المتفرد» هنا يعالج أكثر الموضوعات صعوبة، وكيفية تأثيرها في المدرسة والمنزل والمجتمع، فالشغف والتعلم والاستراتيجيات الداعمة، هي الأشياء الثلاثة الأساسية، لكل من يريد أن يتعامل مع الشخص المتوحد، من معارفه وأقربائه، وهي جزء محوري من هذا الكتاب الذي تتحتم قراءته.تأتي الدراسة لتؤكد من خلال تحليل علمي رصين، ضرورة إعادة النظر في الطريقة التي نرى بها الأشخاص من ذوي التوحد، وفي كيفية تقديم الخدمات المتخصصة لهم، فالكتاب موجه إلى الآباء والأمهات، والمختصين، ومقدمي خدمات الإعاقة النوعية، وليس فقط لمن لديهم فرد متوحد في الأسرة.*تغيرات«المتفرد» دراسة محكمة مناصرة لضرورة إدراك التغييرات الضرورية في الكيفية، التي نرى ونفهم ونقدم بها الخدمات للأشخاص ذوي التوحد، وقد اختار العالم يوم الثاني من إبريل، يوماً عالمياً للاحتفال بأطفال التوحد، ليذكر الجميع بأن التوحد ليس نقصاً.. بل طريقة أخرى لفهم العالم، طريقة تحتاج فقط إلى من يصغي، ومن يرى ما وراء السكون، وما وراء اللغة. التوحد أو طيف التوحد يعبر عن حالة، ترتبط بنمو الدماغ، وتؤثر في كيفية تمييز الشخص للاَخرين، والتعامل معهم على المستوى الاجتماعي، ما يتسبب في حدوث مشكلات في التفاعل والتواصل الاجتماعي، كما يتضمن الاضطراب أنماطاً محدودة ومتكررة من السلوك.بحسب المؤلف د. باري. م. برايزنت، الذي يعد واحداً من أبرز الرواد في العالم فيما يتعلق بالتوحد، فإن هذا الكتاب يبدأ بتغيير الأسلوب أو الطريقة التي نفهم بها التوحد.يقول: «كنت شاهد عيان على الظاهرة نفسها: يأتي الوالدان، وقد أدركا أن طفلهما مختلف اختلافاً جذرياً عن الأطفال الاَخرين، من حيث إن سلوكياته تتجاوز حدود الفهم والمعقولية، إنهما يصبحان على يقين من الأدوات والدوافع الفطرية الداخلية، التي تجهزا بها لرعاية أي طفل اَخر، لن تجدي نفعاً مع طفل لديه توحد».