التواضع.. من ميزان الثقافة

مَلأَى السَّنَابِلِ تَنْحَنِي بِتَوَاضُعٍ وَالْفَارِغَاتُ رؤوسهن شَوَامِخُ.. يستعرض المتنبي، هنا سمة التواضع من خلال تصويرٍ تمثيليٍ محكم، يقرّب المعنى إلى الأذهان ويؤثر في النفوس، إذ يشبّه السنابل الممتلئة بحبات القمح؛ بأصحاب العلوم والمعارف، أولئك الذين امتلأت عقولهم بفكرٍ ثقيل، أو علمٍ رصين، أو معرفةٍ نفيسة، حتى أدركوا بسعة بصيرتهم، أعظم معاني العلم، وهو التواضع والدنو من الآخرين. وذلك هو جوهر العلم، ومخاض الحكمة. حيث تنحني هاماتهم الى الأرض وتدنو من الناس، تماماً كما تنحني السنابل المثمرة المليئة بحبات القمح. أما في الضفة الأخرى، فيسارع الجهلاء إلى رفع هاماتهم، واستعلاء خطاهم، والتعالي على الناس بعجرفة، شأنهم في ذلك شأن السنبلة الفارغة التي تبقى ناصبة رأسها لخلو ما يثقلها. وفي الشأن العلمي، هناك ثمة توافق بين هذا الطرح ومفهومٍ غربي يُعرف بـ «The Dunning–Kruger Effect»، أو تأثير «دانينغ كروغر»، الذي يقترح أن ثقة الجهلاء بأنفسهم تكون مرتفعة، وما ذلك إلا لقصور إدراكهم لعواقب الأمور، وعجزهم عن تقدير أبعاد الأحداث، وادعائهم الإحاطة بمعارف كثيرة، أو ما نسميه في حديثنا الدارج بـ»الفهلوة». أما العلماء، فتبدو ثقتهم بأنفسهم أخفض من غيرهم، لأنهم أكثر وعيًا بحدود معرفتهم، وأكثر إدراكًا لاتساع ميادين العلم، فميدانٌ واحد من العلوم، أشبه بمحيطٍ لا يمكن الإحاطة به دفعةً واحدة. ولعل من أجمل ما قيل في تعريف العالم: «أنه من عرف حدود علمه». ويطل علينا أبو العلاء المعري بطرحٍ فلسفي وتوجيهي يستحث فيه البشر إلى التواضع وسلوك سبيله، إذ يقول: صَاحِ هَذِهْ قُبُورُنَا تَمْلَأُ الرُّحْــبَ، فَأَيْنَ الْقُبُورُ مِنْ عَهْدِ عَادِ؟ خَفِّفِ الْوَطْءَ، مَا أَظُنُّ أَدِيمَ الْأَرْضِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَجْسَادِ! حيث يلفت المعري انتباه المتعالي إلى حقيقةٍ كثيرًا ما يُغفل عنها، وهي أن الإنسان، مهما علا وتجبر، فإن خطواته لا تقع إلا على أصله؛ أي على التراب والطين. ثم يمضي إلى معنى أعمق، فيقرر أن تراب هذه الأرض ما هو إلا أديم أجساد أسلافنا من البشر، وكأننا نمشي كل يوم فوق مصائرنا التي سنؤول إليها. وتلك دعوة وتذكير مكرور للإنسان بمصيره وماّله عند كل خطوة يخطوها على وجه البسيطة، فلا يجد في نفسه ما يدعوه إلى الكبر. ثم يبالغ في تصويره لأديم الأرض وكيف أنه يبتلع رفات البشر عهداً بعد عهد، حتى أنه ليجمع الأضداد عبر دورات الزمن، فقد يجتمع رفات الغني مع الفقير، والصالح مع المفسد، والرضيع مع الشيخ الهرم في ذات البقعة من الأرض: رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْدًا مِرَارًا ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الْأَضْدَادِ وَدَفِينٍ عَلَى بَقَايَا دَفِينٍ فِي طَوِيلِ الْأَزْمَانِ وَالْآبَادِ. غير أن التواضع في حقيقته سمة جليلة لا يتصف بها إلا أصحاب النفوس الكبيرة، والألباب السوية، إلا أن هناك شعراء قد لفتوا انتباهنا إلى منحىً مهم عند تناول هذا الموضوع، وعند التخلق بهذه الصفة؛ وهو أن الإفراط في التواضع قد يرمي الإنسان في شراك الهوان، وخصوصاً عند إسباغ التواضع إلى من هم ليسوا أهلاً له؛ حيث يقول مساعد الرشيدي -رحمه الله- عندما وضع التواضع في قسطاس الأخلاق: لا تواضع للوضيع يضيع قدرك منت مجبور(ن) على بعض التواضع! ويذهب الشاعر عبدالله بن علوش إلى أسلوب المماثلة في التصرف مع من يستندون على التكبر والتعالي، ويعتبر أن التواضع معهم إنما هو وضع للمعروف في غير أهله، كمن يحرث في مستنقعٍ عكر، ويرجو أن تُثمر جهوده ثماراً يانعة: ولا تواضع في حضور العالم المتكبرين تعامل بنفس الطريقة معهم ونفس النظام لحظة ختام، يقول بنجامين فرانكلين: التواضع يجعل الرجال شرفاء مرتين.