التنوع الثقافي.. من الهويات للكرامة الإنسانية
في الحادي والعشرين من مايو من كل عام، يستعيد العالم معنى من أعمق معاني التجربة الإنسانية. أن اختلاف البشر ليس طارئاً على الحياة، ولا خللاً في نظامها، وإنما هو بعض جمالها وسر اتساعها. فالإنسانية لم تنشأ على صورة واحدة، ولم تمض الحضارات في طريق واحد، ولم تكن الثقافة يوماً زينة خارجية في حياة الأمم، وإنما كانت روحها وذاكرتها وطريقتها في فهم الوجود وبناء المعنى. وقد يسهل على المرء، وهو يتأمل ما يحيط بعالمنا من أزمات وصراعات وسوء ظن متبادل، أن يظن أن الاختلاف أصل المشكلة، وأن تنوع الثقافات هو ما يباعد بين الشعوب. غير أن التاريخ، حين نقرؤه بتأنٍ وإنصاف، يقول لنا شيئاً آخر؛ فالذي أوقد الحروب لم يكن اختلاف اللغات والأزياء والعادات، وإنما الخوف حين يتحول إلى سياسة، والطمع حين يتستر خلف الشعارات، والجهل حين يلبس ثوب اليقين، والهوية حين تساق إلى ميادين الصراع بدلاً من أن تكون بابًا للتعارف. لا توجد ثقافة خُلقت للكراهية، ولا أمة جُبلت على العداء، ولا شعب يحمل في جوهره بذور الشر أكثر من غيره. إن ما يفسد علاقة الإنسان بالإنسان؛ هو ضيق الفهم، وعجلة الحكم، والعجز عن رؤية الكرامة الإنسانية في وجه المختلف. ومن هنا تأتي أهمية اليوم العالمي للتنوع الثقافي، الذي أعلنته يونيسكو عام 2002م على أثر تبني إعلان يونيسكو العالمي حول التنوع الثقافي عام 2001، وهو اليوم الذي يهدف إلى تعميق تقدير التنوع وتعزيز الحوار بين الثقافات؛ فهو يذكِّرنا بأن الاختلاف يمكن أن يكون بداية لمعرفة أعمق، وأن المعرفة إذا صدقت قادت إلى احترام أرسخ، وأن الاحترام حين يستقر في النفوس يفتح أبواب التعاون والشراكة، وهذه رؤية يحتاج إليها عالمنا اليوم أشد الحاجة؛ فالشعوب لا يلزمها أن تتشابه كي تعيش بسلام، وإنما يلزمها أن تتعلم كيف تختلف بأدب، وتتحاور بصدق، وتلتقي على ما يحفظ للإنسان كرامته ومصلحته. ومن منظور المملكة، يحمل الحديث عن التنوع الثقافي عمقًا خاصًا؛ فهذه الأرض، التي شرَّفها اللهُ، تعالى، بالحرمين الشريفين، عُرفت منذ قرون معنى اللقاء الإنساني الواسع. في الحج والعمرة تجتمع اللغات والألوان والأعراق والطبقات تحت معنى واحد، وتتراجع الفوارق الظاهرة أمام حقيقة أسمى هي وحدة العبودية لله ووحدة الكرامة الإنسانية ويمثل الحج، الذي يستقبل ما يزيد على مليوني حاج سنويًا من نحو 180 دولة مثالاً توضيحيًا مثاليًا لروح التنوع الثقافي، حيث تتدفق أفواج ضيوف الرحمن إلى المملكة لأداء فريضة الحج من كل دولة في العالم، متحدين في الإيمان ومتسامين بالتنوع الثقافي في الوقت نفسه. وفي تقاليد العرب، وفي قيم الضيافة، وفي أخلاق الجوار والعهد والكلمة، تشكلت حساسية حضارية رفيعة ترى في استقبال الآخر تعبيراً عن نبل النفس وثقة الإنسان بهويته. لقد كان التنوع، في التجربة السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، أيده الله بتوفيقه، واقعًا معاشًا قبل أن يكون مصطلحًا متداولاً في الخطاب الدولي. عرفته طرق الحج والتجارة، ومجالس العلم، ومواسم اللقاء، ومواقف الضيافة، ثم أخذ اليوم صوراً أوسع مع التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة. فمع رؤية السعودية 2030، التي أطلقها سمو ولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان، وفقه الله، عام 2016م كخارطة طريق للتحديث الاقتصادي والاجتماعي؛ اتسع حضور المملكة في العالم، واتسع حضور العالم في المملكة، في السياحة، والثقافة، والفنون، والرياضة، والتعليم، والاقتصاد، والعمل الدولي، واستضافة الفعاليات الكبرى. وهذا الانفتاح الواسع لم يأت على حساب الهوية، بل استند إلى ثقة عميقة بها؛ فالهوية القوية لا تخاف الحوار، والثقافة الحية لا تضعف بالتفاعل، والأمم الواثقة من جذورها هي الأقدر على مد الجسور. إن التنوع الثقافي لا يدعونا إلى التخلي عن خصوصياتنا، ولا إلى تمييع الفوارق حتى تفقد المعاني وزنها. إنه يدعونا إلى إدراك أن للناس طرائق متعددة في التعبير عن كرامتهم، وفرحهم، وحزنهم، وإيمانهم، وانتمائهم. والحكمة تبدأ حين ننصت قبل أن نحكم، ونسأل قبل أن نفترض، ونرى في اختلاف الآخر فرصة لتوسيع وعينا لا تهديدًا لوجودن؛ فالثقافة بيت نسكنه، ونحتمي بدفئه، ونفتح نوافذه في الوقت نفسه للهواء والضوء. ولعل من أخطر ما يواجه عالمنا اليوم تلك الخطابات التي تحول التنوع خوفاً، وتختزل الشعوب في صور نمطية، وتستثمر سوء الفهم بدلاً من معالجته.. وقد أشارت تقارير يونيسكو إلى أن الأنماط الثقافية المتجانسة المفروضة إعلاميًا وتقنيًا؛ تُهدد التنوع اللغوي والثقافي، إذ تندثر لغة كل أسبوعين تقريبًا حول العالم؛ ففي زمن تتسارع فيه الاتصالات وتقترب فيه المسافات، لم تعد المعرفة السطحية بالآخر كافية. المطلوب أن نرتقي من المعرفة إلى الفهم، ومن الفهم إلى الثقة، ومن الثقة إلى الشراكة. والعلاقات بين الحضارات لا تبنى بالنوايا الحسنة وحدها، بل تحتاج إلى تربية ومؤسسات وبرامج وحوار طويل النفس، وإلى رجال ونساء يؤمنون بأن الاختلاف حين يدار بالحكمة يصبح مصدراً للقوة لا سبباً للفرقة. بيد أن الإيمان بالتنوع لا يكتمل دون ترجمته إلى فعل مؤسسي؛ فالمطلوب اليوم - إلى جانب الوعي والإرادة: بناءُ منظومة تعليمية تُدرِج قيم التعددية الثقافية منذ الطفولة؛ ودعمُ مراكز الحوار الحضاري وتمويلها؛ وتصميمُ سياسات ثقافية وطنية تحفظ التراث الوطني وتُتيح تبادله مع العالم. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى نموذج هيئة الأمم المتحدة للتحالف من أجل الحضارات (UNAOC) المُنبثق عام 2005، عن مبادرة مشتركة إسبانية تركية، الذي يُجسِّد الترجمة المؤسسية لهذه المبادئ. والمملكة العربية السعودية، التي تحتضن مركز الملك عبد الله العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات (كايسيد) بوصفه أحد أبرز صروح هذا الحوار؛ تملك من التجربة والثقل الدولي ما يُمكِّنها من أن تكون في طليعة صانعي أجندة التنوع الثقافي عالميًا. وبعد سنوات طويلة في ميدان الحوار بين الثقافات، يترسخ لدي يقين بأن أعظم ما يمكن أن نقدمه للأجيال الجديدة هو أن نعلمها الاعتزاز بالهوية من غير تعصب، والانفتاح من غير ذوبان، والنقد من غير ازدراء، والحوار من غير ضعف. فالعالم لا يصنعه المتشابهون وحدهم، وإنما يصنعه المختلفون حين يمتلكون أخلاق الاختلاف. والتنمية، في جوهرها الإنساني، تحتاج إلى هذا الوعي؛ لأن الإنسان لا يبدع في بيئة الخوف، ولا يزدهر في مناخ الشك، ولا يمد يده إلى غيره ما لم يشعر أن كرامته مصونة وهويته محترمة. في هذا اليوم، نجدد إيماننا بأن التنوع الثقافي وعد إنساني كبير؛ إنه دعوة إلى أن يتجاوز الإنسان خوفه، وأن يوسع قلبه، وأن يرى في وجه الآخر شيئاً من صورته هو. وحين تبلغ المجتمعات هذه الدرجة من الوعي، يصبح الحوار طريقاً لا مجاملة، وتصبح الثقافة جسراً تعبر عليه الأمم نحو مستقبل أكثر رحمة وحكمة وسلاماً؛ وفي هذا السياق تستحق الإشارة إلى الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي (يونسكو 2003م) واتفاقية تنوع التعبيرات الثقافية (يونسكو 2005م) بوصفهما الإطارَيْن القانونيَيْن الدوليَيْن اللذَيْن يُرسِّخان هذا الفهم ويدعوان إلى حمايته. فيصل بن عبدالرحمن بن معمر