التعمري.. موهوبة أردنية تلهم «النشاما» في المونديال
في عمّان، لا تحتاج كرة القدم إلى بطولة كي تصبح حديث الناس، فهي تعيش أصلًا في الأزقة والمقاهي والمدرجات الصغيرة، وتكبر مع كل جيل يبحث عن لحظة يشعر فيها أن الأردن قادر على الوقوف بين كبار آسيا، لكن تلك اللحظة ظلت طويلة بعيدة، حتى ظهر موسى التعمري، لاعبًا يحمل في قدميه شيئًا من الشارع الأردني نفسه؛ السرعة، والعناد، والرغبة الدائمة في تجاوز الحدود التي اعتاد الناس التوقف عندها. لم يأتِ التعمري من طريق مفروش بالأضواء، بل خرج من كرة أردنية تعرف جيدًا معنى قلة الإمكانات وصعوبة الوصول، بدأ رحلته مع شباب الأردن، قبل أن ينتقل إلى الجزيرة، وهناك بدأت ملامح موهبته تتضح أكثر؛ جناح سريع، مباشر، يراوغ بثقة لاعب يلعب بحرية الشارع لا بحسابات الخوف، ومنذ تلك السنوات، كان واضحًا أن الأردن يملك لاعبًا مختلفًا عن الصورة التقليدية للاعب المحلي. لكن التحول الحقيقي جاء حين قرر خوض تجربة الاحتراف خارج المنطقة، متنقلًا بين قبرص وبلجيكا وفرنسا، في رحلة لم تكن سهلة دائمًا، لكنها صنعت لاعبًا أكثر نضجًا وصلابة. لم يصبح نجمًا أوروبيًا بالمعنى الصاخب، لكنه اكتسب شيئًا ربما كان أهم؛ شخصية لاعب لا يخاف المواجهة، ويعرف كيف يتحمل ضغط اللعب بعيدًا عن بيئته. ومع المنتخب الأردني، بدأت قصته تكبر بصورة مختلفة. فالأردن، الذي ظل سنوات طويلة قريبًا من الحلم الآسيوي دون أن يلمسه كاملًا، وجد في التعمري اللاعب القادر على نقل الفريق من مرحلة الاحترام إلى مرحلة الإيمان الحقيقي بالقدرة على المنافسة، لم يكن مجرد جناح مهاري، بل لاعبًا يمنح المنتخب جرأة هجومية وشخصية مختلفة، حتى بدا وكأن الفريق كله يتحرك بثقة أكبر حين تكون الكرة بين قدميه. وفي كأس آسيا 2023، كتب التعمري أهم فصوله الدولية حتى الآن، دخل الأردن البطولة دون ضجيج كبير، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى مفاجأة القارة، ومع كل مباراة كان اسم التعمري يكبر أكثر، سجّل، وصنع، وأربك الدفاعات بسرعته وتحركاته، ثم جاء نصف النهائي أمام كوريا الجنوبية ليمنح الأردنيين ليلة بدت أكبر من كرة القدم نفسها، بعدما قاد المنتخب إلى أول نهائي آسيوي في تاريخه. في تلك الأيام، لم تكن عمّان تنام بسهولة. الشوارع امتلأت بالأعلام، والمقاهي تحولت إلى مدرجات مفتوحة، والناس شعروا أن المنتخب لم يعد مجرد فريق يلعب بطولة، بل قصة وطن صغير وجد نفسه فجأة في قلب الحلم الآسيوي، وفي وسط كل تلك الصورة، كان موسى التعمري الوجه الأوضح للحكاية. ما يميز التعمري أنه يلعب بروح اللاعب الذي يعرف أن كل فرصة يجب أن تُنتزع، لا يكتفي بالحلول السهلة، بل يهاجم المساحات، ويبحث عن المواجهة، ويمنح الجماهير شعورًا بأن شيئًا قد يحدث في أي لحظة. ولذلك، صار بالنسبة لكثير من الأردنيين أكثر من لاعب موهوب؛ صار رمزًا لجيل يريد أن يرى بلاده تنافس بلا خوف. ومع اقتراب كأس العالم 2026، يعيش الأردن حلم الوصول إلى المونديال للمرة الأولى في تاريخه، وهو حلم بدا لسنوات طويلة أبعد من الواقع، قبل أن يأتي هذا الجيل ليجعله ممكنًا، وفي قلب هذا المشروع يقف التعمري لاعبًا يحمل خبرة الاحتراف، وثقة البطولة الآسيوية، وإيمان جماهير تنتظر أن ترى علم بلادها أخيرًا على أكبر مسرح كروي في العالم. ولهذا، فإن قصة موسى التعمري ليست حكاية جناح سريع فقط، بل حكاية لاعب جعل مدينة كاملة تسهر للحلم، وتؤمن أن كرة القدم أحيانًا تستطيع أن تمنح الشعوب الصغيرة مساحة أكبر من الجغرافيا، إذا وجدت لاعبًا يركض بقلب بلد كامل.