التجاهل سلاح الكبار.. والجدل غذاء الباحثين عن الشهرة
أصبحت بعض الأصوات في الإعلام الرياضي ووسائل التواصل الاجتماعي والمساحات لا تعيش على المعلومة الموثوقة، ولا على الطرح المهني الرصين، بقدر ما تتغذى على الإثارة والجدل واستفزاز الجماهير. فهي تدرك جيداً أن الجدل يجلب المشاهدات، والمشاهدات تجلب الأرباح، والأرباح تصنع مزيداً من النفوذ والانتشار. والمؤسف أن كثيراً من الجماهير تساهم –من حيث لا تشعر– في صناعة هذه الظاهرة واستمرارها؛ فكل متابعة، وكل إعادة نشر، وكل تعليق غاضب، وكل محاولة للرد أو التفنيد، تتحول في النهاية إلى وقود جديد يمد هذه الحسابات بالحياة ويمنحها ما تبحث عنه من شهرة وتأثير. بل إن بعض هذه الأصوات لا تفرّق بين مؤيد ومعارض، فالمهم لديها هو حجم التفاعل لا مضمونه. ولو أن الجماهير تجاهلت هذه الأطروحات وحرمتها من الاهتمام، لانكمش تأثيرها وتراجع حضورها تدريجياً؛ لأن التفاهة لا تملك القدرة على البقاء بذاتها، وإنما تعيش على ردود الأفعال، وتموت عندما تُحرم من الأضواء. ومن يتصدرون للرد على هذه الأطروحات ليسوا سواء؛ فهناك من يستغلها فرصة لتعزيز حضوره الشخصي وزيادة متابعيه ومشاهداته، ليظهر بمظهر «المتصدي» أو «المدافع»، بينما تكون مصلحة النادي آخر ما يفكر فيه. وفي المقابل، هناك من يندفع بحسن نية بدافع الحب والغيرة والانتماء، معتقداً أنه يدافع عن ناديه ويكشف زيف تلك الطروحات، لكنه في الواقع يساهم –من حيث لا يدري– في توسيع دائرة انتشارها ومنح أصحابها قيمة أكبر من حجمهم الحقيقي. والحقيقة التي ينبغي أن يدركها الجميع أن الأندية الكبيرة لا تهزها تغريدة، ولا تنال منها المناكفات، ولا تُختزل مكانتها في رأي عابر أو طرح سطحي. فالتاريخ والإنجازات والجماهيرية لا تصنعها المساحات ولا تهدمها الحسابات، كما أن أي تجاوز أو إساءة له قنوات نظامية وجهات قانونية مختصة قادرة على التعامل معه ومحاسبة أصحابه بعيداً عن الفوضى الإعلامية والمهاترات العقيمة. أما الانشغال بملاحقة كل مستفز، والرد على كل إساءة، والدخول في كل معركة جانبية، فلن يحقق أي مكسب حقيقي للنادي أو لجماهيره، بل سيمنح تلك الأصوات ما تريده تماماً: مزيداً من الضجيج، والانتشار، والحضور. وفي نهاية المطاف، يبقى المشجع البسيط هو الخاسر الأكبر؛ تُستنزف عاطفته، ويُهدر وقته وجهده في معارك لا تضيف شيئاً لناديه، بينما يحصد صُنّاع الجدل المشاهدات والأرباح والشهرة على حساب تلك العاطفة الصادقة. لذلك فإن أقوى وسيلة لمواجهة التفاهة ليست النزول إلى مستنقعها، بل حرمانها من الأكسجين الذي تعيش عليه. فليس كل ما يُقال يستحق الرد، وليس كل من يبحث عن الشهرة يستحق أن نمنحه إياها. وأحياناً يكون التجاهل موقفاً واعياً لا ضعفاً، ويكون الصمت أبلغ من ألف رد. فمتى ندرك أن بعض المعارك لا تستحق أن نخوضها؟ ومتى نتعلم أن نفكر بعقولنا قبل أن تدفعنا عواطفنا إلى خدمة من يسعى لاستغلالها؟ الخلاصة: كلما زاد التفاعل مع صُنّاع الجدل زاد نفوذهم وانتشارهم، وكلما تم تجاهلهم تقلص تأثيرهم. فالتجاهل الواعي ليس سلبية، بل أحياناً يكون أكثر المواقف حكمة وتأثيراً. صالح القبلان