يُعد الباحث إدوارد هول من أبرز المؤسسين لحقل الاتصال بين الثقافات، وغالباً ما يوصف بأنه الأب المؤسس لهذا المجال. وقد ظهرت أفكار إدوارد هول خلال خمسينات القرن العشرين في الولايات المتحدة، في سياق الاهتمام المتزايد بالتواصل بين الشعوب بعد الحرب العالمية الثانية. والمقصود هنا بالتحديد هو: الاتصال بين أفراد من ثقافات مختلفة مثل الاتصال بين الياباني والأمريكي، وما شابه ذلك. انطلق هول من خلفيته في الأنثروبولوجيا الثقافية، وسعى إلى فهم الكيفية التي تشكل بها الثقافة إدراك الإنسان للعالم وسلوكه اليومي. وفي كتابه الشهير بعنوان «اللغة الصامتة» الصادر عام «1959» قال: إن الثقافة تعمل كلغة صامتة توجه سلوك الأفراد وتفاعلاتهم من دون أن يكونوا واعين بها دائماً. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: «الثقافة هي الاتصال والاتصال هو الثقافة». المقصود بهذه العبارة أن الثقافة لا تُعد مجرد مجموعة من القيم أو المعتقدات الموجودة في أذهان الناس، بل تتجسد من خلال عمليات الاتصال اليومية مثل: اللغة، والإشارات غير اللفظية، واستخدام المكان، وإدراك الزمن، والعادات الاجتماعية. وفي المقابل، فإن أي عملية اتصال لا يمكن فهمها بمعزل عن الثقافة التي تنتجها وتمنحها معناها، فمثلاً، المصافحة، أو الصمت أثناء الحديث، أو المسافة المناسبة بين المتحدثين، أو طريقة التعبير عن الاحترام، كلها أشكال اتصال تحمل معاني مختلفة من ثقافة إلى أخرى. ويرى هول أن عملية الاتصال لا تقتصر على الكلمات المنطوقة أو المكتوبة، بل تشمل منظومة واسعة من الإشارات والرموز والسلوكيات والمعاني الضمنية التي يكتسبها الأفراد داخل ثقافتهم. ولذلك فإن فهم الرسائل يتطلب فهماً لـ «السياق الثقافي» الذي تنتج فيه هذه الرسائل، ومن هذا المنطلق طور مجموعة من المفاهيم التي أصبحت لاحقاً من أكثر المفاهيم تأثيراً في دراسات الاتصال بين الثقافات. ومن أشهر المفاهيم التي طورها إدوارد هول التفريق بين الثقافة «عالية السياق» والثقافة «منخفضة السياق»، وقال إن الثقافات عالية السياق تعتمد على المعرفة المشتركة والعلاقات الاجتماعية والخبرات السابقة لفهم الرسائل. وفي هذه الثقافات لا يُقال كل شيء بشكل مباشر لأن المعنى يكون مرتبطاً بالسياق. وغالبًا ما تندرج المجتمعات العربية واليابانية والصينية ضمن الثقافات عالية السياق، أما الثقافات منخفضة السياق فتعتمد على التعبير المباشر والواضح، حيث يحمل النص أو الخطاب معظم المعنى المطلوب، وتعد الولايات المتحدة وألمانيا من الأمثلة الشائعة على هذا النمط. كما اهتم هول بدراسة الزمن بوصفه ظاهرة ثقافية، فقد ميز بين الثقافات «الأحادية الزمن»، التي تنظر إلى الوقت باعتباره مورداً محدوداً يجب تنظيمه بدقة والالتزام بمواعيده، وبين الثقافات «المتعددة الزمن» التي تمنح العلاقات الاجتماعية مرونة أكبر على حساب الدقة والالتزام بالمواعيد، وتسمح بإدارة عدة أنشطة في الوقت نفسه. ومن المفاهيم المهمة أيضاً مفهوم «المسافة الشخصية» وهو المجال الذي ابتكره هول لدراسة استخدام الأفراد للمسافات الجسدية أثناء التفاعل الاجتماعي، وقد أوضح أن المسافة المناسبة للحوار أو التفاعل تختلف من ثقافة إلى أخرى، وأن تجاهل هذه الاختلافات قد يؤدي إلى الشعور بعدم الارتياح أو التوتر أثناء التفاعل بين شخصين من ثقافتين مختلفتين. ختاماً، يمكن القول إن مفاهيم إدوارد هول لا تزال قائمة في عصر العولمة والاتصال الرقمي، لكنها تحولت من نماذج تفسيرية عامة وثابتة للثقافات القومية إلى أدوات تحليلية أكثر مرونة لفهم التفاعلات الثقافية المعقدة داخل البيئات الرقمية. فالعولمة ووسائل التواصل الاجتماعي والهويات العابرة للحدود أضعفت فكرة الثقافة الثابتة والمتجانسة التي انطلق منها هول، لكنها لم تلغِ أهمية أفكاره الأساسية المتعلقة بالاتصال بين الثقافات.