الأوركسترا السعودية
غالباً ما يصاحب الموسيقى حس مرهف وشعور دافق بالأمل والحيوية ومفعم بالهدوء وحالات سكون ساحرة، وحتى وجوم يكتنفه صمت وخوف، فالموسيقى تنقلنا إلى بيئات منتشية تَطرَب فيها النفس ويتألق فيها الشعور، وأخرى تمتلئ بالأحزان، وما نلمسه في سمت الحضور لجمهور الأوركسترا السعودية وهم يرتصفون في مسارحها ويكتظون بتدافع لحضورها في واحات الفن حين تعزف نغماً صادعاً يدوي في أعماق النفس وينسرب في الأرواح، فإن ذلك يوحي بحيوية مع هدوء جسدي وحسي خالصين. الأوركسترا السعودية تجربة ثرية تترك أثرها فينا برهافة صوتها وتصاعد نغمها المموسق، لمتواليات لا تنتهي بمثيرات فواصلها المتقطعة بين كل نغمة وأخرى في سكتةٍ خاطفة ومباغتة تعبر عن معناها وإن كانت صمتاً، لكنها نبع ملهم وخيار آخر للكثير من رؤانا، ليترك ذلك الصوت بسكتاته أثراً بالغاً فينا، وبوقع مختلف ومغاير، وبلفيف من البهجة والسرور حيناً، وهالات من الحزن أحايين أخرى. إن الأوركسترا السعودية أسهمت بنقل التراث الغنائي للمملكة بحضور وارف في كل الأروقة محلياً وعالمياً، وبالتالي عززت الروابط والتواصل العالمي نحو بناء الجسور الموسيقية لتقديم روائع من اللوحات المستوحاة من تراثنا الفني والأدائي الزاخر بتنوعه، وهذا الزخم الهائل يجسد هوية المملكة الفنية، بعد أن تنوع بأعداد كثيرة تبعاً لكل منطقة من هذا الوطن الكبير، وهذا التنوع حينما يقدّم أمام الجماهير العالمية سواء كان في محطات وطنية فنية على أرض الوطن، أو في الساحة الفنية الدولية، فإن ذلك يعكس مدى وعينا بالفن المحلي، وكذا مدى قدرتنا على إبراز المسيرة الطويلة للفن السعودي، وخصوصاً الموسيقى بأسلوب ومضامين تليق بعراقة الفن وآفاقه، هي خطوات ثقافية تبنتها وزارة الثقافة مشكورة وبإشراف مباشر ومتابعة حثيثة من هيئة الموسيقى، وكذا هيئة المسرح والفنون الأدائية على المستوى المحلي والعالمي، ولهذا كانت ولا تزال الأوركسترا السعودية لغة حية تتجاوز معنى الصوت المسموع لتوقظ حساً آخر من سباتٍ عميق يقبع في أعماق كل مستمع لها، لأن الأوركسترا السعودية مفعمة بدلالات من الوعي الذي ينقلنا نحو جوانب مختلفة يتراكم فيها الحب والعاطفة وانتشاء الفرح وحتى ركام من الأحزان حين تستدعي ملامح الماضي وصور تَغيّر الزمن وتباعد المراحل ولحظات الفقد وغيرها مما نقع فيه في مدارج الحياة، ولهذه المعاني الشعورية التي يشترك فيها كل شعوب العالم والتي من شأنها إيقاظ وعي آخر بشعور وجداني مستحق حين يُسمع تدفقات صوت الأوركسترا السعودية، وينساب إلى مسامع الجماهير حين انطلقت في جولات عالمية متميزة شملت أفضل المسارح العالمية في أوروبا والأميركيتين، ودوى صوتها في أقاصي الشرق في عاصمة اليابان طوكيو، وأبهرت جموعاً من الجماهير العالمية للآخر المختلف، بصورة تحفظ قيمة هذا الفن وتمنحه امتداداً خارج المسرح، وحين بثت الأوركسترا السعودية روائعها من ردهات المسارح العالمية لحضور استوعب العزف والنغم الجميل مع صوت صادع يفوح من بين ثناياه كلمات (الورد) الوردة التي مثلت اللغة العالمية للتواصل والمحبة والتواد الإنساني النبيل والهدايا المثالية لتعزيز الروابط والتعبير الأرقى عن المشاعر، لتكون أغنية الراحل طلال مداح في تواصلها الحسي والفني (وردك يا زارع الورد) عودة لبدايات الفن السعودي، الأمر الذي يؤكد حضور ثقافتنا الفنية، والدور الريادي الذي تقوم به وزارة الثقافة نحو الثقافة عموماً والموسيقى السعودية خصوصاً، مع دور تكاملي للجهات ذات العلاقة من هيئات ومؤسسات وممثليات بالخارج في هذا الاتجاه، انطلاقاً من نوافذ عريضة فتحتها رؤية الوطن 2030 لتكون الأوركسترا السعودية ضمن دائرة الضوء محلياً وعالمياً..