الألعاب والمنافسات من داحس والغبراء إلى كأس العالم layout Mon, 06/15/2026 - 07:27 ثقافة ومجتمع عندما تنطلق منافسات كأس العالم لكرة القدم، وتتجه أنظار مئات الملايين إلى المستطيل الأخضر، يبدو المشهد للوهلة الأولى مجرد احتفال رياضي عالمي. غير أن هذا الحشد الإنساني الهائل، وما يصاحبه من مشاعر الانتماء والتنافس والفرح والحزن، يكشف عن ظاهرة أعمق من حدود الرياضة، فالألعاب رافقت الإنسان منذ أقدم العصور، وكانت جزءا من حياته الاجتماعية والثقافية. في ذاكرة الأمم هناك مكانة كبيرة للألعاب، فهي تفتح لنا نافذة واسعة على بنية المجتمعات والشعوب، وهويتها الثقافية. فكثير من الألعاب تحمل في داخلها آثار الحروب القديمة، وصور التنافس الاجتماعي، ومفاهيم الشرف والقوة، وأنماط العلاقات بين الجماعات البشرية. ولهذا ينظر بعض المؤرخين وعلماء الثقافة إلى الألعاب على أنها وثائق حضارية لا تقل أهمية عن الشعر والأساطير والعمارة، لأنها تحتفظ بآثار من الذاكرة الجماعية يصعب العثور عليها في المصادر التاريخية التقليدية. داحس والغبراء في تاريخ العرب ارتبطت إحدى أشهر الحروب ، وهي حرب داحس والغبراء، بمنافسة في سباق الخيل وقع فيها الغش والنزاع، قبل أن تتسع لتصبح حربا طويلة بين عبس وذبيان. ولا تكمن أهمية هذه القصة في السباق ذاته، بل في ما تكشفه من مكانة الفروسية وقيم المنافسة والشرف في المجتمع العربي القديم. وإذا انتقلنا إلى الحضارة اليونانية وجدنا الألعاب الأولمبية متشابكة مع الدين والأسطورة والفلسفة، حتى غدت جزءا من رؤية الإغريق للعالم والإنسان والآلهة. أما المصارعة اليونانية الرومانية فتجسد مسارا آخر من مسارات التاريخ الثقافي، حيث انتقلت اللعبة من الإغريق إلى الرومان، ثم أعاد الرومان تشكيلها ضمن منظومتهم السياسية والاجتماعية حتى أصبحت أحد رموز الإمبراطورية وهيبتها. تتجاوز قيمة الألعاب حدود المجتمعات التي نشأت فيها، لأنها من أكثر العناصر الثقافية قابلية للانتقال والهجرة. فالألعاب تسافر مع التجار، وتعبر مع الجيوش، وتنتقل مع المهاجرين والرحالة، ثم تتبدل ملامحها كلما دخلت بيئة جديدة. عبدالله الرشيد قصص تروي تاريخ الأمم حين استضاف البلاط العباسي أول بطولة عالمية في الشطرنج حين استضاف البلاط العباسي أول بطولة عالمية في الشطرنج في عصر الدولة العباسية وضع وزير المأمون الحسن بن سهل، شروطا... رحلة "الأغاني" إلى بلاط الأندلس ماذا لو قيل لك إن فهرس إحدى المكتبات قبل أكثر من ألف سنة... خيل الرياض... مخطوطات وشعر وأنساب وجوائز بالملايين خيل الرياض... مخطوطات وشعر وأنساب وجوائز بالملايين على بعد 150 كم غرب العاصمة السعودية الرياض، في ما يعرف... الألعاب التاريخ العرب كأس العالم 13 يونيو , 2026 Region الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تاريخ الألعاب هو تاريخ تفاعل بين الأمم، يكشف مسارات التأثير الثقافي، وحركة الأفكار والعادات، والطرق التي تشكلت بها الهويات وما من لعبة كبرى تقريبا إلا وتحمل في تكوينها طبقات متراكمة من التأثيرات الحضارية المتبادلة. ولهذا فإن تاريخ الألعاب هو تاريخ تفاعل بين الأمم، يكشف مسارات التأثير الثقافي ، وحركة الأفكار والعادات، والطرق التي تشكلت بها الهويات الإنسانية عبر القرون. وكما تحمل اللغات آثار الشعوب التي تداولتها، تحمل الألعاب أيضا آثار الأمم التي مارستها وطورتها وأعادت صوغها جيلا بعد جيل. تاريخ ألعاب العرب نعرف الكثير عن حروب العرب وأيامهم، وعن شعرائهم وفرسانهم وخطبائهم، لكن الصورة تظل ناقصة ما لم نلتفت إلى تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها الناس بعيدا من ساحات القتال ومجالس السياسة. فطبائع اللهو، وأشكال الترويح، وأخبار السمر، وأنواع الألعاب، والعادات المرتبطة بالأعياد والاحتفالات، كلها عناصر لا تقل أهمية عن الأحداث الكبرى في فهم المجتمع وتكوين صورته الحقيقية. من هنا تكتسب دراسة تاريخ الألعاب عند العرب قيمتها الثقافية، فهي لا تقدم لنا سجلا لألوان التسلية فحسب، بل تكشف عن طبيعة المجتمع نفسه، ومستوى استقراره، واتساع علاقاته بالعالم، وحجم ما استقبله من تأثيرات حضارية وما أسهم به في نقلها إلى غيره. فندق مهجور مبني من الطوب الطيني تتوسطه رقعة شطرنج في قرية القصر بواحة الداخلة في مصر ولهذا فإن تاريخ الألعاب العربية يعكس جانبا مهما من موقع العرب داخل الشبكة الحضارية للعالم القديم والوسيط. فقد عرفت المجتمعات العربية عشرات الألعاب المتنوعة، من ألعاب الحركة والمهارة إلى ألعاب الذكاء والتخطيط، مثل الدعلجة، والطبنة، والطواحة، والكبنة، والكرة، والأرجوحة، والغميضاء، والأنبوثة، والهبهاب، والشطرنج، والصولجان وغيرها. وبعض هذه الألعاب نشأ في البيئات العربية، فيما جاء بعضها الآخر من الهند أو فارس أو أقاليم آسيا، ثم وجد طريقه إلى المجتمع العربي، قبل أن ينتقل لاحقا عبر الأندلس وطرق التجارة والتواصل الحضاري إلى مناطق أخرى من العالم. وقد أدرك أحمد تيمور باشا قيمة هذا التراث، فجمع في كتابه "لعب العرب" عشرات الألعاب التي عرفها العرب، موثقا أسماءها وطرائقها وما ارتبط بها من أخبار وأشعار ونصوص أدبية، ليحفظ جانبا من الذاكرة الاجتماعية التي كثيرا ما غابت عن كتب التاريخ التقليدية. وإذا كانت كرة القدم اليوم تتصدر المشهد العالمي عبر كأس العالم، فإن الشغف باللعب بالكرة، أو الكرات الصغيرة أقدم بكثير. فقد عرف العرب قديما لعبة "الكجة"-كما يذكر أحمد تيمور باشا في كتابه- وهي لعبة للصبيان تقوم على استخدام خرقة ملفوفة أو جسم صغير مستدير يشبه الكرة يتنافسون به في ما بينهم، يقول تيمور باشا: "الكجة: لعبة: يأخذ الصبي خرقة فيدورها كأنها كرة، قال ابن الأعرابي: هو أن يأخذ الصبي خزفة فيدورها، ويجعلها كأنها كرة ثم يتقامرون بها، وكج الصبي: لعب الكجة، وفي حديث ابن عباس: في كل شيء قمار حتى في لعب الصبيان بالكجة". لعبة زرياب تشق طريقها إلى أوروبا من الأمثلة اللافتة على الدور الذي لعبه العرب في انتقال الألعاب بين الحضارات قصة الشطرنج، تلك اللعبة التي ولدت في الشرق، وانتقلت عبر مسارات طويلة من الهند وفارس إلى العالم الإسلامي، قبل أن تجد طريقها إلى أوروبا. ففي القرن الثالث الهجري حمل زرياب معه الشطرنج من بغداد إلى الأندلس، حيث انتشرت بين النخب والطبقات المتعلمة، ثم تجاوزت حدود المجتمع الأندلسي إلى الممالك المسيحية المجاورة، لتبدأ رحلة جديدة داخل أوروبا. أحد أبناء الطائفة المندائية في العراق يلعب الشطرنج على ضفة نهر دجلة في بغداد، 2024 الأمر نفسه يمكن ملاحظته في لعبة الصولجان، المعروفة اليوم باسم "البولو"، التي جاءت إلى العرب من بلاد فارس ثم ازدهرت في العصر العباسي. فقد أولى الخلفاء والوزراء هذه اللعبة عناية كبيرة، وأقيمت لها ميادين خاصة داخل القصور، وتحولت إلى نشاط اجتماعي ورياضي يحظى بمتابعة الجمهور. عرف العرب قديما لعبة "الكجة" وهي لعبة للصبيان تقوم على استخدام خرقة ملفوفة أو جسم صغير مستدير يشبه الكرة يتنافسون به في ما بينهم ويروى أن الخليفة هارون الرشيد كان من أكثر الخلفاء اهتماما بها، وأنه "قرب الماهرين بها فانتشرت بين الناس، وكان يشكل من الأمراء فريقا، والوزراء فريقا، وجعل لها ميادين ومقاعد مريحة للمتفرجين". مسلمون أفارقة يلعبون الشطرنج وتكشف هذه الأخبار أن الألعاب لم تكن نشاطا هامشيا في الحياة الإسلامية ، بل كانت جزءا من الثقافة العامة ومن المشهد الاجتماعي اليومي، كما تكشف أن انتقال الألعاب بين الأمم لا يحدث في اتجاه واحد، وإنما عبر شبكة معقدة من الأخذ والعطاء والتطوير وإعادة الصياغة، وهي العملية نفسها التي صنعت تاريخ كثير من الألعاب العالمية المعروفة اليوم. الديربي البغدادي إذا كانت الألعاب تكشف شيئا عن المجتمعات، فإن أكثر ما تكشفه هو طبيعة الانتماء الإنساني نفسه. فالرغبة في تشجيع فريق أو بطل، والانحياز إليه، والدفاع عنه، ليست ظاهرة حديثة ولدتها الملاعب المعاصرة ووسائل الإعلام، بل نزعة قديمة صاحبت المجتمعات البشرية منذ قرون طويلة. ومن يقرأ أخبار المدن الكبرى في التاريخ الإسلامي يكتشف أن مشاهد التعصب الرياضي، والانقسام بين الجماهير، وصناعة النجوم الرياضيين، كانت حاضرة بأشكال مختلفة قبل ظهور كرة القدم بزمن طويل. وتقدم بغداد العباسية مثالا على ذلك. فقد شهدت في القرن الرابع الهجري منافسة رياضية واسعة بين عداءين شهيرين هما "فضل، ومرعوش"، حتى انقسمت المدينة بين أنصارهما على نحو يذكر بما تعرفه المدن الحديثة من منافسات «الديربي» بين الأندية الكبرى. وتذكر المرويات أنه أيام الخليفة المطيع لله (363هـ)، في زمن معز الدولة، أقيم ميدان سباق طويل، وعلى جنباته مقاعد مخصصة للجماهير والمشجعين، وفي هذا الميدان يتنافس العداؤون، حتى اشتهر منهم اثنان: فضل ومرعوش، فانقسم أهل بغداد بينهما، وأصبح التنافس محموما بين المشجعين، ووصل التعصب حدا عجيبا. المصارع الأميركي غوردي مورغان يطرح المكسيكي رودولفو هرنانديز أرضا خلال منافسات المصارعة الرومانية في أولمبياد أتلانتا 1996 يذكر القاضي التنوخي في كتابه "نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة" أن من "أعجب الأشياء المتولدة في زمن معز الدولة، السعي، والصراع، (أي مسابقة الركض، والمصارعة) وذلك إن معز الدولة، احتاج إلى السعاة، ليجعلهم بينه وبين أخيه ركن الدولة، إلى الري، فيقطعون تلك المسافة البعيدة، في المدة القريبة، وأعطى على جودة السعي الرغائب (الجوائز) فحرص أحداث بغداد وبسطاؤهم على ذلك، حتى انهمكوا فيه، وأسلموا أولادهم إليه. فنشأ ركابيان لمعز الدولة، يعرف أحدهما بمرعوش، والآخر بفضل، يسعى كل واحد منهما، نيفا وثلاثين فرسخا في يوم، من طلوع الشمس إلى غروبها، يترددون ما بين عكبرا وبغداد. وقد رتب على كل فرسخ من الطريق، قوما يحضون عليهم، فصاروا أئمة السعاة ببغداد، وانتسب السعاة إليهم، وتعصب الناس لهم". يشير التنوخي إلى صورة أخرى من الأحوال الاجتماعية العجيبة، حيث كانت الألعاب والمسابقات في العصر العباسي تقام بين الناس في الأزقة والطرقات، ثم من يشتهر ويتميز منها، يترقى ويستطيع الدخول في منافسة عامة تقام أمام السلطان، يقول: "واشتهى معز الدولة الصراع، فكان يعمل بحضرته حلقة في ميدانه، ويقيم شجرة يابسة تنصب في الحال، ويجعل عليها الثياب الديباج، والعتابي، والمروزي، وتحتها أكياس فيها دراهم، ويجمع على سور الميدان الصبيان بالطبول والزمور، وعلى باب الميدان الدبادب، ويؤذن للعامة في دخول الميدان، فمن غلب، أخذ الثياب والشجرة والدراهم. ثم دخل في ذلك أحداث بغداد، فصار في كل موضع صراع، فإذا برع أحدهم، صارع بحضرة معز الدولة، فإن غلب، أجريت عليه الجرايات، فكم من عين ذهبت بلطمة، وكم من رجل اندقت". ويخبرنا أبو حيان التوحيدي عن هذا التنافس الشديد، وكيف انقسمت بغداد بين "مرعوشي، وفضلي"، حتى أصبح لكل طائفة من الجماهير منطقة يسكنون فيها، فمن مر بها، امتحنوه عند المدخل، وسألوه عن ميوله الرياضية، يقول التوحيدي في كتابه "الإمتاع والمؤانسة": "انظر كيف لهج الناس بهما وبالتعصب لهما حتى صار جميع من ببغداد إما مرعوشيا وإما فضليا. ولقد اجتاز القاضي ابن معروف وهو على قضاء القضاة فتعلق بعض الصبيان بلجام بغلته، وقالوا: أيها القاضي، هل أنت مرعوشي أم فضلي؟ فتحير وعرف ما تحت هذه الكلمة، وأن التخلص منها بالجواب الرفيق أجدى عليه من العنف والخرق وإظهار السطوة؛ فالتفت إلى أحد مرافقيه فقال: يا أبا القاسم، نحن في محلة من؟ قال: في محلة مرعوش؛ فقال ابن معروف: أنا إذن من أنصار مرعوش، ثم مضى". في زمن معز الدولة، أقيم ميدان سباق طويل، وعلى جنباته مقاعد مخصصة للجماهير والمشجعين، وفي هذا الميدان يتنافس العداؤون، حتى اشتهر منهم اثنان: فضل ومرعوش لعل من أجمل ما في احتفال كأس العالم أنه يذكرنا بأن الألعاب هي جزء من السيرة الطويلة للإنسان، وخلف كل لعبة تاريخ من الأسفار والانتقالات والتحولات الثقافية التي صنعتها أجيال متعاقبة عبر القرون. فنانون خلال حفل افتتاح كأس العالم 2026 قبل مباراة المكسيك وجنوب أفريقيا في مكسيكو سيتي وحين يتابع العالم اليوم مباريات كرة القدم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، فإنه يشارك في تقليد إنساني قديم، ظل يتجدد بأشكال مختلفة منذ آلاف السنين. تتغير الملاعب والقوانين والأدوات، لكن الألعاب تظل واحدة من أكثر اللغات الإنسانية قدرة على عبور الحدود، وجمع البشر حول شغف مشترك لا يحتاج إلى ترجمة. 15 يونيو , 2026 story cover Off Label No label Promotion Article Off Show on issuepdf page Off