تقابل دولة الإمارات مؤشرات التعافي، التي ما زال الاقتصاد السوري يظهرها يوماً إثر آخر، منذ قرابة عام ونصف، بانفتاح أوسع نحو قنوات وتدفقات الاستثمار على البلد الشقيق، الذي عاش وعانى طوال 14 عاماً، لاسيما مع تحقيقه فائضاً طفيفاً، لكنه الأول منذ سنوات، في موازنة 2025، ومع تسجيله تباطؤاً معقولاً في التضخم، بالتوازي مع مواصلة استجرار الاستثمارات، وفي مقدمتها الخليجية، فيما بلغ النمو الاقتصادي، العام الفائت 5%، مع توقعات بوصوله إلى أكثر من 10% خلال الأعوام القليلة المقبلة.عند الحديث عن الاستثمار الإماراتي في سوريا، ثمة أسئلة تقفز- بداهة – إلى الذهن: ماذا عن حجم التبادل التجاري الحالي، وهل الرقم المحقق يرضي طموح البلدين، وما هي سبل الدفع بهذا التبادل إلى آفاق أرحب، ثم أين هي القطاعات الأَولى بالرعاية استثمارياً؟لعل أهم ما ذكر في هذا الصدد، هو تصريح الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية، خلال الملتقى السوري الإماراتي الأول الذي عقد في دمشق، يومي 11-12 مايو/ أيار 2026، حيث بيّن أن هذا التبادل وصل إلى 1.4 مليار دولار، خلال العام الفائت (2025)، بنمو 132%، قياساً مع سابقه، أي أكثر من الضعف، ما يعني أن هذا النمو بدأ يخط مساراً صعودياً، إلا أنه مسار هادئ ومتواضع، بالنظر إلى إمكانات وموارد البلدين.. كيف ولماذا؟يشهد الاقتصاد السوري انتعاشاً ملحوظاً، بعد أن أتت حرب السنوات العجاف على الأخضر واليابس، ما يجعل البلاد متعطشة لاستقطاب استثمارات خارجية، تعيد الإعمار وتنشط الاقتصاد والخدمات، فسوريا اليوم تحتاج الى كل جهد استثماري، مهما صَغُر، بعبارة أدق تحتاج الإبرة كما الطائرة. بالمقابل تبدي الإمارات انفتاحاً كبيراً على التعاون الاقتصادي والتكامل مع شقيقتها سوريا، اعتماداً على فوائض مالية واستثمارية تضخها سبعة صناديق إماراتية سيادية، يتصدرها جهاز أبوظبي للاستثمار (أديا)، الذي يعد بين أكبر الصناديق السيادية حوال العالم، بمحفظة استثمارية تتجاوز 1.12 تريليون دولار (4.11 تريليون درهم)، فضلاً عن استثمارات الرساميل الخاصة.إماراتياً وسورياً، العمل جارٍ على استكشاف ومباشرة الاستثمار في القطاعات كلها، بيد أن أكثرها أهمية يتركز في: الزراعة، الطاقة، المرافق والبنى التحتية، الصناعات الغذائية، الصحة، النقل، التعليم، التكنولوجيا، والاتصالات، المناطق الحرة وغيرها.لا شك في أن 2025 كان عاماً مبشراً وحافلاً بالاستثمارات، وعلى منواله سارت الأشهر الأولى من العام الجاري، بحصاد مشاريع وتفاهمات تجاوزات عشرات المليارات من الدولارات، بينها، مشاريع منظورة لشركة «إيجل هيلز» بقيمة 50 مليار دولار، واستثمارات سياحية لمجموعة الحبتور بـ 1.5 مليار دولار، فضلاً عن استثمار موانئ دبي العالمية في ميناء طرطوس بـ 800 مليون دولار، وحصة لموانئ أبوظبي في ميناء اللاذقية بـ 22 مليون دولار، ومشروع لشركة دانة غاز يستهدف تطوير بعض حقول الغاز، إلى جانب مشاريع متوسطة وصغيرة قيد الدراسة أو المباشرة.يذهب الجانب السوري في العلاقة مع دولة الإمارات إلى أبعد من التدفق المباشر للاستثمارات، وهو ما عبّر عنه وزير الاقتصاد الدكتور نضال الشعار، بأن ما يُمكن بناؤه بين سوريا والإمارات أكبر من مشاريع اقتصادية، «فحين تلتقي الإمارات مع طاقات سورية لا يُصنع مشروع، بل يُبنى مستقبل». لعل هذا الطرح يتوافق مع رغبة سورية طموحة، لبناء اقتصاد حديث تنافسي منفتح على العالم، ومرتكز على تطوير بيئة الاستثمار تنظيمياً وتشريعياً، إلى جانب وجود إطار قانوني واستثماري مرن، يتيح التملك للمستثمر الأجنبي بشكل كامل، دون أن تفرض عليه أية شراكات سورية حكومية أو خاصة.ثمة مزايا داعمة ومحفزة تقدمها سوريا للجانب الإماراتي، ولكل من يستثمر في البلاد، لعل أبرزها، وفرة وجودة المواد الأولية، للمثال لا للحصر: القطن، المنتجات الزراعية (بشقيها النباتي والحيواني)، النفط، الغاز، الثروات الباطنية (الفوسفات بالدرجة الأولى)، مكامن لإنتاج الطاقات المتجددة الريحية والشمسية، فضلاً عن موقع جغرافي يتوسط ثلاث قارات، ويربط أربعة بحار، وغيرها الكثير من هذه المزايا..على الضفة الأخرى لهذه المزايا، تأتي مزيّة رأس المال البشري، فالتقديرات تشير إلى أن حجم قوة العمل السورية تتجاوز أربعة ملايين، والسوريون بطبعهم شغوفون بالعمل وتأسيس المشاريع، وهناك ما يشبه العرف التجاري المتوارث عبر الأجيال، ولعل هذا ما يفسر بوضوح، كيف نجح السوريون (المغتربون واللاجئون) في تأسيس المشاريع في جهات المعمورة الأربع. وبات من المعروف، أن السوريين في دولة الإمارات، والذين يقدر عددهم بنحو 300 ألف، يتصدرون الجنسيات العربية وحتى غير العربية في تأسيس المشاريع والأعمال، إذ توجد في البلاد نحو 40 ألف شركة سورية، وفقاً لما ذكر وزير التجارة الخارجية ثاني الزيودي خلال الملتقى. وتتركز استثمارات السوريين في دولة الإمارات في قطاعات كثيرة أبرزها، العقار، الضيافة، التجزئة، النقل، الاتصالات، التكنولوجيا، وهم من الجنسيات القليلة التي تخلق فرص عمل تفوق احتياجات الجالية نفسها من هذه الفرص، نتيجة كثرة تأسيس المشاريع، كما أنهم يستحوذون على نحو 40% من سوق المطاعم، التي تقدم الأطعمة العربية، وفقاً لتقديرات أوساط السوق. *إعلامي اقتصادي
ADVERTISEMENT
مقالات ذات صلة
ADVERTISEMENT
