من حق أي دولة أن تبحث عن دور في علاقاتها الإقليمية والدولية، استناداً إلى مصادر القوة التي تملكها، والدور الذي يرتبط بالسلوك السياسي الخارجي للدولة.والدور ليس مجرد قرار أو سلوك أو هدف، بل يعبّر عن مجموعة من الوظائف المحورية التي تقوم بها الدولة، وهذا يتطلب مراعاة ثلاثة أسس، أولها: تحديد مركزها في العلاقات الدولية ورسم مجال حركتها، وتصنيفها (عظمى، إقليمية، وصغرى)، ثانيها: تحديد وضبط سياستها الخارجية، وثالثها: توقع حجم التغيير الذي يمكن أن يحدثه الدور تجاه بنيتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية.ودور أي دولة يعتمد على المؤهلات التي يمكن استخدامها، فامتلاك الدولة لمقومات مادية أو غير مادية لا يعني بالضرورة أنها سوف تؤدي دوراً فعالاً وإيجابياً، بل إن السلوك في علاقاتها الخارجية يعدّ عاملاً حاسماً في أداء الدور.إن ما تمارسه الولايات المتحدة مثلاً من دور على الصعيد العالمي، باعتبارها قوة عظمى، وتسعى من خلاله إلى فرض سياساتها بالقوة، هو دور يتناقض مع العلاقات الدولية الأساسية، لذلك فإن هذا الدور يتراجع، وخاصة مع المساعي التي تبذلها الدول البازغة لإقامة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب تكون الولايات المتحدة أحد أقطابه وليس القطب الأوحد.أما إيران فقصة أخرى، فهي دولة إقليمية كبرى، لكنها لا تراعي حجم قدراتها التي تؤهلها للعب دور تسعى إليه في الإقليم، وإنما تبحث عن دور من خلال سياسات محددة بإطار ديني، تسعى لتوظيفها في خططها للهيمنة وتصدير أفكارها، في محاولة للخروج من حالة الحصار الخانقة والعزلة الدولية التي تعيشها منذ سنوات، لذلك فإن هذا الدور يواجه رفضاً إقليمياً واسعاً، لأنه لا يستند إلى علاقات طبيعية ووسائل إيجابية تمكّنه من النجاح.وعندما يؤكد الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السموّ رئيس الدولة، أنه «لا يمكن أن يكون دور أي دولة في الإقليم على حساب الأمن والاستقرار والازدهار المشترك»، ويشير إلى أننا «من الخليج العربي إلى اليمن ولبنان والعراق، ندفع جميعاً ثمن الطموح الإيراني الإقليمي»، فإنما يريد أن يحدد بشكل صريح وواضح أن الدور الذي تلعبه إيران في المنطقة هو دور تخريبي ملغوم، لا يستوي مع علاقات حسن الجوار أو مع القانون الدولي، لأنه يعتمد على القوة من جهة، من خلال ما شهدته وتشهده دول المنطقة من اعتداءات غاشمة بالطائرات المسيّرة والصواريخ، ومن جهة أخرى لأنه يعتمد على أدوات غير قانونية ممثلة في أحزاب وميليشيات يستخدمها كأذرع في الدور الذي تسعى إليه.لذلك، فإن مثل هذا الوضع يستدعي مراجعة العلاقات مع إيران على أسس واضحة لمواجهة هذا الدور، من خلال التأكيد على احترام السيادة، وحسن الجوار، وعدم التدخل في شؤون الآخرين. فالثقة المفقودة جراء مسلسل طويل من التنمر والحقد والعدوانية لا تُستعاد بين ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى جهد كبير، وخصوصاً من جانب النظام الإيراني الذي عليه أن يُثبت أنه قطع علاقته مع الماضي.