حين أوقعت قرعة كأس العالم 2026 منتخبات إنجلترا وكرواتيا وغانا وبنما في المجموعة الثانية عشرة، بدأ المشهد وكأنه مواجهة بين أربعة مسارات مختلفة تمامًا في كرة القدم الحديثة؛ منتخب أوروبي يملك أغلى المواهب في العالم لكنه ما يزال يبحث عن لقب عالمي غائب منذ عقود، وآخر اعتاد تجاوز التوقعات رغم محدودية موارده البشرية، وثالث يحمل إرثًا أفريقيًا ثقيلًا يسعى لاستعادته، ورابع يعيش واحدة من أهم الفترات في تاريخه الكروي على مستوى الاستمرارية الدولية. ويدخل المنتخب الإنجليزي البطولة تحت ضغط هائل ليس فقط بسبب جودة أسمائه، بل بسبب الشعور المتزايد داخل إنجلترا بأن هذا الجيل ربما يكون الأفضل منذ جيل 1966 الذي حقق كأس العالم الوحيدة في تاريخ البلاد، فبحسب بيانات Transfermarkt يُعد المنتخب الإنجليزي من بين أعلى منتخبات البطولة قيمة سوقية، إذ تتجاوز قيمة قائمته 1.3 مليار يورو بوجود مجموعة ضخمة من النجوم في مختلف المراكز، ويقود المنتخب هاري كين الذي أصبح الهداف التاريخي لإنجلترا بأكثر من 70 هدفًا دوليًا وفق بيانات الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، كما يضم المنتخب أسماء هجومية مرعبة مثل جود بيلينغهام، وفيل فودين، وبوكايو ساكا، وكول بالمر، وديكلان رايس، وتشير بيانات UEFA إلى أن إنجلترا كانت من أعلى المنتخبات الأوروبية تسجيلًا للأهداف في التصفيات، كما امتلكت واحدًا من أفضل معدلات صناعة الفرص المتوقعة، لكن رغم كل هذه الجودة يبقى السؤال الدائم مرتبطًا بقدرة المنتخب الإنجليزي على التعامل مع الضغط النفسي في البطولات الكبرى فمنذ خسارة نهائي يورو 2020 أمام إيطاليا تعيش الجماهير الإنجليزية حالة من الترقب المستمر لهذا الجيل الذي اقترب كثيرًا من البطولات دون أن ينجح في حسمها، كما أن المنتخب عانى في بعض المباريات الكبرى من تراجع نسقه الهجومي أمام الفرق المنظمة دفاعيًا، وهي نقطة قد تظهر بوضوح في مجموعة تضم منتخبات تملك انضباطًا تكتيكيًا كبيرًا مثل كرواتيا وغانا. أما المنتخب الكرواتي فيدخل البطولة وهو يحمل سمعة استثنائية مقارنة بحجم بلاده وعدد سكانها الذي لا يتجاوز أربعة ملايين نسمة تقريبًا، فبحسب بيانات FIFA بلغت كرواتيا نهائي كأس العالم 2018 ثم حققت المركز الثالث في نسخة 2022 لتصبح واحدة من أكثر المنتخبات الأوروبية استقرارًا في البطولات الكبرى خلال العقد الأخير، ورغم تقدم الجيل الذهبي في العمر ما يزال المنتخب يملك أسماء قادرة على المنافسة يتقدمهم لوكا مودريتش الذي قد يخوض آخر بطولة كبرى في مسيرته بعمر يقترب من الأربعين، وتشير بيانات Opta إلى أن مودريتش كان من أكثر لاعبي أوروبا دقة في التمرير التقدمي خلال السنوات الأخيرة رغم تقدمه في السن وهو ما يعكس استمرارية نادرة على المستوى الذهني والفني، كما يضم المنتخب يوشكو غفارديول، وماتيو كوفاسيتش، ومارسيلو بروزوفيتش، وأندري كراماريتش. ويُعرف المنتخب الكرواتي بقدرته الكبيرة على إدارة المباريات الصعبة وهو ما تؤكده الأرقام؛ إذ خاض المنتخب عدة مباريات امتدت إلى الأشواط الإضافية وركلات الترجيح في آخر نسختين من كأس العالم دون أن يفقد توازنه الذهني، كما تشير بيانات FIFA إلى أن كرواتيا كانت من أفضل المنتخبات في نسبة النجاح بالتمرير تحت الضغط خلال مونديال 2022. في الجهة الأخرى، تدخل غانا البطولة وهي تحاول استعادة صورتها التاريخية كواحد من أقوى منتخبات أفريقيا في كأس العالم فالمنتخب الغاني كان أول منتخب أفريقي يبلغ ربع نهائي كأس العالم في نسخة 2010 قبل خروجه الدرامي أمام الأوروغواي، ومنذ ذلك الوقت ظل المنتخب يعيش فترات متذبذبة قبل أن يعود تدريجيًا إلى الواجهة خلال السنوات الأخيرة، ويقود المنتخب عدد من اللاعبين الذين يمثلون الجيل الجديد لكرة القدم الغانية مثل محمد قدوس الذي تحول إلى أحد أكثر اللاعبين الأفارقة إثارة بفضل مهاراته الفردية وقدرته على اللعب في أكثر من مركز هجومي، إضافة إلى توماس بارتي، ومحمد ساليسو، ويليامز، وتشير بيانات الاتحاد الأفريقي CAF إلى أن غانا كانت من بين أعلى المنتخبات الأفريقية في معدل التحولات الهجومية السريعة خلال التصفيات، كما يتميز المنتخب الغاني بالقوة البدنية والسرعة الكبيرة في الأطراف وهي عناصر قد تمنحه أفضلية أمام المنتخبات التي تعتمد على الاستحواذ لفترات طويلة. أما بنما فتدخل البطولة بعيدًا عن الضجيج الإعلامي لكنها لم تعد المنتخب المغمور الذي ظهر لأول مرة في كأس العالم 2018، فالمنتخب البنمي أصبح أكثر استقرارًا على مستوى النتائج في منطقة الكونكاكاف، كما نجح في بناء منظومة تعتمد على التنظيم والانضباط الدفاعي واللعب المباشر، ويبرز في صفوف المنتخب عدد من الأسماء المهمة مثل أدالبرتو كاراسكييا، وخوسيه فاخاردو، ومايكل موريلو، إضافة إلى الحارس أورلاندو موسكيرا الذي ينشط في الدوري السعودي مع نادي الفيحاء، وبحسب بيانات اتحاد الكونكاكاف كانت بنما من أقل المنتخبات استقبالًا للأهداف في التصفيات المؤهلة للمونديال كما امتلكت واحدًا من أعلى معدلات الفوز بالكرات الهوائية. ومن الناحية الفنية، تبدو هذه المجموعة غنية بالاختلافات التكتيكية، فمنتخب إنجلترا يعتمد على الجودة الفردية والسرعة الهجومية، بينما تلعب كرواتيا بإيقاع أكثر هدوءًا قائم على السيطرة والخبرة، في حين تعتمد غانا على القوة البدنية والانطلاقات، أما بنما فتراهن على التنظيم والانضباط الدفاعي. منتخب كرواتيا منتخب غانا منتخب بنما