على الأرجح، لم تتخيل أمينة سويدان، الطبيبة والناشطة النسوية، رد الفعل الهائل على شهادتها التي نشرتها قبل يومين على «فيسبوك» حول العنف الذي تتعرض له السيدات في قسم النساء والولادة بمستشفى الشاطبي بالإسكندرية. انتشرت الشهادة خلال ساعات لتشغل الرأي العام. عشرات الآلاف شاركوا وعلقوا على ما كتبته سويدان. كثيرون أقروا أن هذا النوع من العنف مع النساء معتاد وشائع في المستشفيات العامة. آخرون صُدموا من حجم بشاعة ما ورد فيها. وكأن هذا لم يكن كافيًا، بعد 24 ساعة من نشر شهادتها، ألقت قوة من الشرطة القبض على سويدان من منزلها في دمنهور بمحافظة البحيرة أمس، قبل أن تظهر أمام النيابة اليوم باتهامات، من بينها نشر أخبار كاذبة عن طريق «فيسبوك» وإساءة استخدام حساب «فيسبوك»، بحسب محاميها محمد رمضان، الذي كتب على صفحته أن البلاغ مقدم من محامي مستشفيات جامعة الإسكندرية، قبل أن يخلى سبيلها، منذ قليل، بكفالة 20 ألف جنيه. خطوة القبض على سويدان والتحقيق معها تسببت في اشتعال الجدل أكثر، خصوصًا مع غياب أي إعلان عن نية للتحقيق في هذه الوقائع أو أي وقائع أخرى مماثلة تراكمت الشهادات بخصوصها بعد الشهادة الأولى، باستثناء إعلان وحيد من جامعة الإسكندرية. على العكس، أصرت بعض المصادر الرسمية، حكومية وبرلمانية، على أن هذه الوقائع لا تمثل سوى اتهامات مرسلة لا يمكن التحقيق فيها. بعض الأطباء أقروا بوقوع انتهاكات أقل حدة، مثل الصراخ في المريضات، لكنهم اعتبروا هذا جزءًا قد يكون ضروريًا في بعض الأوقات لـ«إتمام الرعاية الصحية». اللهجة التي تحدثت بها المصادر الرسمية تشير إلى أزمة أعمق تواجه صنّاع القرار في هذه اللحظة: هذه الأزمة لا تتعلق فقط بالاتهامات الموجهة إلى إحدى المؤسسات الطبية بوقوع انتهاكات فيها، وإنما تمس منظومة بأكملها تهدد علاقة المواطنين بالقطاع الصحي، في واحد من أكثر التخصصات التي تتقاطع فيها حساسيات جندرية وطبقية: صحة النساء والتوليد. «إحنا هندخل في أزمة بنت كلب»، بحسب تعبير وكيل لجنة الصحة بالبرلمان، النائب مجدي مرشد. جاء قرار النيابة بإخلاء سبيل سويدان بكفالة، رغم أن مصدرًا برلمانيًا كان قد توقع صدور قرار بحبسها ضمن محاولات لاحتواء الأزمة. لكن لا يبدو أن الجدل حول هذه الأزمة سينتهي قريبًا، مع تواتر الشهادات وبدء محاولات جمعها وتنظيمها. تشير مجموعة من الشهادات إلى تقصير ممنهج من قبل الأطقم الطبية والتمريض وإلى تجاهل تام لأوجاع النساء خلال عملية الولادة، ويظهر هذا التقصير من خلال الألفاظ العنيفة الموجهة لهن وصولًا إلى الاعتداء عليهم بالضرب أحيانًا. مجموعة أخرى من الشهادات أفادت بإهمال أعراض النساء المختلفة، ما يؤدي إلى تأخر حجزهن وتدهور حالاتهن الصحية، بينما تحدث آخرون عن مطالبتهن بمعلومات شخصية وغير ضرورية بخصوص الحالة الزوجية قبل بداية تقديم العلاج العاجل. جاء رد فعل المسؤولين على شهادة سويدان رافضًا وعنيفًا. أحد نواب وزير الصحة والسكان، لم يرد ذكر اسمه، اعتبر أن كل ما تضمنته شهادة سويدان «جرح لمشاعر المصريين والأطباء»، ووصفت الألفاظ التي استخدمتها سويدان بأنها «لا تليق بمجتمع الأطباء»، وأنها تحلم بـ«عمل فيلم جنسي»، رافضًا بشكل كُلّي وجود «أي مظاهر من العنف التوليدي في مصر». ونفى المصدر تمامًا وجود أي تحرش أثناء الولادات بسبب ما قال إنه «مش موّود غرفة الولادة»، معتبرًا أن التحرش قد يحدث «لو الست جايه بكامل أناقتها والدكتور يعرفها، إنما لحظة الولادة exclusively no». واعتبر المصدر أن هذا «التهييج للمجتمع»، سيخلق أزمة عميقة، تتمثل في امتناع السيدات عن الذهاب لأطباء النساء والتوليد الذكور، وسيتخذ العديد من الأزواج هذا القرار، كما رأى أنها أزمة ستتسبب في الرّدة عن حملات الولادة الطبيعية والعودة للقيصرية «تجنبًا للتعامل مع الأعضاء التناسلية للسيدة». يستخدم وكيل لجنة الصحة بالبرلمان، النائب مجدي مرشد، لغة أقل حدة من مسؤول وزارة الصحة، حيث يُقر في حديثه لـ«مدى مصر» أن ما جاء في الشهادة «قد» و«غالبًا» صحيح ويحدث، إلا أن المشكلة من وجهة نظره، أن سويدان لجأت للنشر على مواقع التواصل الاجتماعي دون اللجوء لطريقين لا ثالث لهما، إما لجنة آداب المهنة في نقابة الأطباء أو النيابة العامة. ويتفق مرشد مع نائب وزير الصحة في أن الشهادة قد تتسبب في أزمة كبيرة بامتناع السيدات «المحترمات»، وكذلك الأزواج، عن اللجوء إلى الأطباء الذكور. «إحنا معندناش دكاترة ستات تسد الاحتياج، ساعتها هيولدوا فين؟!»، يسأل. واعتبر مرشد أن هذه الشهادة «الفجة» خطيرة، لأنها تُؤدي إلى زعزعة الثقة بالمشفى، وبالأطباء والمنظومة الطبية بأكملها، فضلًا عن أنها ستعرض صاحبتها قانونًا إلى اتهامات بزعزعة الأمن العام ونشر أخبار كاذبة. لكن الأزمات الهيكلية المعروفة في القطاع الصحي، والتي تنتج أزمات مستمرة بين المرضى ومقدمي الخدمة، لا يستثنى منها النساء الحوامل. في حالة التوليد، هناك مسألة إدارة الألم، والتي يتحدث طبيب يعمل في مستشفى جامعي عن غياب أي منظومة أو بروتوكول خاص بها. يشرح طبيب نساء وتوليد آخر حصل على تدريبه في مستشفى عام لـ«مدى مصر» أن إدارة آلام الولادة كانت تعتمد على نوعين: مزيج من أكسيد النايتروس والأكسجين (أنبوبة واحدة بها خليط الغازات). كما تستخدم أيضًا الناركوتيات (مثل المورفين) إلى حد أقل. لكن الاعتماد على الأنابيب توقف بعد مشكلة شهدتها إحدى المستشفيات الخاصة تسببت في أكثر من حالة وفاة، على الأغلب بسبب تلوثها، كما أدى ذلك إلى وقف استخدامها في مصر عمومًا في المستشفيات العامة والخاصة، بحسب الطبيب. بعدها، بدأ الأطباء في الاعتماد على مخدر الإبيدورال إلى جانب الناركوتيكس. ولكن المشكلة الأساسية أنه يجب استخدامه فقط في بداية عملية الولادة وليس متأخرًا، وذلك لأنه يسبب مضاعفات منها قطع العجان (perineum)، وإطالة عملية الولادة، واللجوء للولادة القيصرية. إلى جانب ذلك، فإنه يحتاج إلى طبيب تخدير، وهو أمر غير متاح دائمًا في المستشفيات العامة والجامعية. على الجانب الآخر، وبحسب طبيب النساء والتوليد الذي يعمل بإحدى المستشفيات الجامعية، فإن إتاحة الإبيدورال في المستشفيات العامة والجامعية قد يؤثر على بيزنس المستشفيات الخاصة، والتي تفضل الاحتفاظ بميزة تقديم خدمات الولادة الطبيعية بأقل قدر ممكن من المعاناة. مع غياب كل أشكال التخدير الممكنة، لا يستخدم الأطباء في المستشفيات العامة والجامعية سوى مخدر موضعي خلال الخطوة الأخيرة من عملية الولادة، ما يضاعف من ألم النساء خلال العملية، والتي يقر الطبيب أنها عنيفة جدًا ويمكن مقارنة مستواها بآلام الحرق مثلًا. وبجانب أزمة التخدير، وإدارة الألم، يتحدث نفس الطبيب عن نقص عدد الأطباء بشكل عام مقابل حالات الولادة. «بطبيعة الحال، يتجه الأطباء الأقل الخبرة لخدمة النساء في الولادة الطبيعية، في مقابل أن من لديهم خبرة أكبر هم الذين يقومون بعمليات أعقد مرتبطة بطب النساء كاستئصال الرحم مثلًا»، يقول الطبيب، «هؤلاء الأطباء والنواب ليس لديهم خبرة كبيرة وليس لدينا نظام الدايات لمساعدة النساء أثناء الولادة الطبيعية». يتسبب هذا في ضغط شديد على الأطباء، ويقلص الوقت المتاح لإتمام عمليات الولادة بشكل سليم. تحت كل هذه الضغوط، يعترف الطبيب أن الأطباء يلجأون للصراخ في النساء، لكن هذا يكون «لمصلحة الأم» لأن حركتها الزائدة قد تشكل «خطرًا» على الأم وجنينها. منطق شبيه يستخدمه عضو مجلس نقابة الأطباء، أيمن سالم، الذي أوضح لـ«مدى مصر» أن بعض ممارسات الأطباء قد تُفهم بشكل خاطئ، لأنها تأتي أحيانًا في إطار محاولة الطبيب التعامل مع المريضة خلال لحظات حساسة من الفحص أو الولادة، موضحًا أن رفع الطبيب لصوته في بعض المواقف قد يكون بهدف طمأنة المريضة. يقول رئيس جمعية الحق في الصحة، محمد حسن خليل، لـ«مدى مصر»، إنه شهد بنفسه خلال فترة عمله كطبيب امتياز واقعة داخل قسم للولادة الطبيعية، أثناء حضوره مع أخصائي نساء وتوليد، حيث كانت المريضة تصرخ من الألم، بينما كان الطبيب يتعامل معها بالصراخ والسباب. لكنه يشير إلى أن هذا النمط يعكس بعدًا طبقيًا عن المريضة التي جاءت إلى مستشفى حكومي مجاني، وبالتالي لا تملك حقوقًا كافية للاعتراض على طريقة معاملتها. «إنتي جاية تولدي في مستشفى حكومي مجاني، وملكِيش حقوق، وغلبانة ومقهورة، تبقي تستحملي»، يقول. الباحثة في مجال الصحة الإنجابية، نانا أبو السعود، تتحدث عن مشكلة هيكلية أخرى: ضعف أجور الأطباء في المستشفيات العامة والجامعية ما قد يبرر غياب الصبر وقلة الكفاءة، ويتم اختبار ذلك في جميع المجالات ومع جميع المرضى، ولكنها تظهر أكثر في رعاية الحمل وعملية التوليد لطول مدة احتياج النساء للخدمتين. تضيف أبو السعود «اللي كتبته أمنية مافيهوش أي حاجة خيالية، ومطابق للحاجات اللي بسمعها من الدكاترة المنشغلين بالحقوق والصحة الإنجابية في مصر. لما كنت بسأل إيه المُحرك الأساسي لانشغال الأطباء دول بالحقوق الإنجابية، رغم إنهم عندهم شغلهم وتخصصهم، كان الرد دائمًا: الحاجات اللي بيشوفوها واللي الستات بتتعرض لها في كشك الولادة، والستات والرجالة بشكل عام في المستشفيات العامة، خصوصا الستات، لأن الستات لما تتوجع أو تعيط، بيتم الاستهزاء بيهم والتعامل معاهم بعنف». طبقًا لأبو السعود، يدفع هذا النساء إلى تفضيل الولادة القيصرية على الولادة الطبيعية، خصوصًا مع مشورة الأطباء التي تنصح بالولادة القيصرية لتسريع العملية. هذه العوامل تشكل ما يُعرف بالعنف التوليدي، والذي تتحدث عنه فريدة محجوب، طبيبة وباحثة دكتوراه في صحة المرأة والطفل، موضحة أن اهتمامها البحثي بهذا الملف بدأ عام 2013 أثناء إعداد رسالة الماجستير الخاصة بها حول اكتئاب ما بعد الولادة. تشير محجوب إلى دراسة أجرتها على أمهات لأطفال تتراوح أعمارهم بين 2-12 شهرًا داخل عدد من المراكز الصحية بالقاهرة الكبرى، وأظهرت وصول معدلات اكتئاب ما بعد الولادة إلى نحو 78%، مقارنة بنسب عالمية كانت تدور حول 15%. وتوضح أن مفهوم العنف التوليدي يشمل نحو 14 ممارسة قد تتعرض لها النساء أثناء الحمل والولادة، من بينها العنف اللفظي وسوء المعاملة، وانتهاك الخصوصية داخل غرف الولادة، وعدم السماح بوجود مرافق أثناء الولادة، إضافة إلى ممارسات جسدية أو إجرائية لا تستند إلى مبررات طبية مقبولة. وتتابع أن الدراسة لم تقتصر على رصد تجارب النساء، بل شملت أيضًا تقييم مدى وعي الأطقم الطبية والتمريضية بهذه الممارسات، إلى جانب قياس مستوى معرفة الأمهات بحقوقهن. وتشير إلى أن نتائج الدراسة أظهرت تعرض نسب مرتفعة من النساء لأشكال مختلفة من تلك الممارسات، تجاوزت 90%. وتقول إنها واجهت صعوبات خلال عرض نتائج البحث داخل بعض المؤسسات الطبية، وصلت إلى حد رفض النتائج ومهاجمتها، بل والتهديد بعدم نشرها، قبل أن تستكمل عملها لاحقًا بالتعاون مع مؤسسات بحثية ومبادرات متخصصة. سجلت «الإسكندرية» أعلى معدل للوفيات بين الأمهات أثناء الولادة على مستوى الجمهورية، بحسب تقرير المؤشرات الديموجرافية الأخير، الصادر عن المجلس القومي للسكان، ويظهر التقرير أن حي وسط، التي تقع ضمنه مستشفى الشاطبي، يشهد ثالث أعلى معدل وفيات بين الأمهات أثناء الولادة بواقع 181 حالة وفاة لكل 100 ألف أم تلد. ويُشير التقرير إلى أنه على مستوى الجمهورية ارتفع معدل الوفيات بين الأمهات أثناء الولادة بنسبة 14.5% بين عامي 2019 و2020. يقول مسؤول ملف الصحة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، علاء غنام، لـ«مدى مصر»، إن حوكمة المنظومة الصحية تمثل المدخل الأساسي لمعالجة مثل هذه الأزمات، مشيرًا إلى أن الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية لتطبيقها. «اللي بيحصل الفترة دي مهزلة»، بحسب وصفه، مطالبًا بتفعيل القرار رقم 470 الخاص بتأسيس لجان لحقوق المرضى داخل جميع المستشفيات، على أن تضم ممثلين عن المجتمع، وتتولى مراقبة مستوى الخدمة وجودتها، باعتبار أن حقوق المريض أحد أهم عناصر تقييم المنظومة الصحية. من جانبه يقول رئيس جمعية «الحق في الدواء»، محمود فؤاد، إن شكاوى أقسام الولادة موجودة في مختلف المستشفيات، لكنها تظل في كثير من الأحيان «جانبًا مسكوتًا عنه»، لأنها ترتبط غالبًا بسيدات غير قادرات. ويشير فؤاد إلى أن ما ذكرته الطبيبة «بنسمع عنه كلنا»، مشيرًا إلى أنها أوضحت لاحقًا أن الواقعة حدثت قبل خمس سنوات. ويرجح أن يكون تعديلها للمنشور جاء نتيجة الضغوط التي تعرضت لها، مضيفًا أنه «في الآخر تم القبض عليها». The post إدارة الألم.. الرعاية الغائبة في «كُشك الولادة» first appeared on Mada Masr.