- صدمة «أنثروبيك» تدفع أوروبا لإعادة حساباتها- دعوات لبناء ذكاء اصطناعي مستقل- ارتفاع تكاليف «التوكنز» يثير قلق الشركاتدفعت القيود الأمريكية الأخيرة على بعض خدمات الذكاء الاصطناعي شركات أوروبية كبرى إلى تسريع خططها لتنويع مزودي التكنولوجيا وتقليل الاعتماد على أي جهة منفردة، في خطوة تعكس مخاوف متزايدة من تحوّل الوصول إلى النماذج المتقدمة إلى أداة خاضعة للاعتبارات السياسية والأمنية.وجاءت هذه المخاوف إلى الواجهة بعد قرار واشنطن مطالبة شركة «أنثروبيك»، المطورة لروبوت الدردشة «كلود»، بتعليق إتاحة نموذجي «فايبل 5» و«مايثوس 5» للأجانب داخل وخارج البلاد لأسباب مرتبطة بالأمن القومي.ورغم أن القرار يستهدف فئات محددة، فإنه أثار تساؤلات أوسع داخل الأوساط الأوروبية بشأن مدى قدرة الشركات والمؤسسات على الاعتماد على خدمات ذكاء اصطناعي يتم تشغيلها والتحكم بها بالكامل من خارج القارة.النماذج المغلقةتكشف التطورات الأخيرة نقطة ضعف أساسية في سوق الذكاء الاصطناعي الحالي، تتمثل في اعتماد عدد كبير من الشركات على نماذج مغلقة ومملوكة لشركات خاصة، يتم الوصول إليها عبر الإنترنت ولا يمكن تشغيلها بشكل مستقل داخل البنية التحتية الخاصة بالمستخدمين.ففي حال قرر المزود تقييد الخدمة أو تعديل شروط استخدامها، تجد الشركات نفسها أمام مخاطر تشغيلية قد تؤثر في استمرارية أعمالها وخططها الرقمية. ولهذا السبب أكدت شركات أوروبية بارزة، من بينها «سيمنز» و«رينو» و«أورانج» و«تشابس فيجن»، خلال مشاركتها في معرض «فيفاتك» بباريس، أنها تعتمد بالفعل على مزيج من النماذج الأمريكية والصينية والأوروبية لتجنب الارتهان لمزود واحد.وأوضحت «سيمنز» أنها تستخدم نماذج صينية مثل «ديب سيك» و«كوين» التابع لـ«علي بابا»، إلى جانب نموذج «نيموترون» من «إنفيديا» وعدد من النماذج الأمريكية والأوروبية الأخرى.السيادة الرقميةتأتي هذه التحركات في وقت تواصل فيه مؤسسات الاتحاد الأوروبي العمل على تعزيز ما تصفه بـ«السيادة الرقمية»، عبر حزمة سياسات تهدف إلى دعم القدرات الأوروبية في مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.إلا أن عدداً من قادة الشركات يرون أن مفهوم السيادة لا يعني الانعزال عن العالم أو الاكتفاء الذاتي، بل امتلاك حرية الاختيار بين بدائل متعددة. وقال سيدريك نايكه، الرئيس التنفيذي لقطاع الصناعات الرقمية في «سيمنز»، إن الشركات تحتاج إلى قدر كبير من المرونة، مضيفاً أن مفهوم السيادة غالباً ما يُخلط بينه وبين الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، وهو نهج لا يراه مناسباً لمستقبل القطاع.وتواجه أوروبا في هذا السياق تحدياً يتمثل في محدودية عدد مطوري النماذج العامة واسعة النطاق مقارنة بالولايات المتحدة والصين. وتبرز شركة «ميسترال» الفرنسية كأحد أبرز اللاعبين الأوروبيين، فيما حققت شركات أخرى مثل «ديب إل» نجاحات مهمة في مجالات أكثر تخصصاً مثل الترجمة.تفوق صينييشهد سوق الذكاء الاصطناعي انقساماً متزايداً بين النماذج المفتوحة أو شبه المفتوحة التي يمكن تشغيلها داخل خوادم الشركات، والنماذج المغلقة التي تبقى تحت السيطرة الكاملة لمطوريها.ويرى أوكتاف كلابا، الرئيس التنفيذي لشركة «أو في إتش كلاود»، أن أوروبا ما زالت متأخرة في مجال النماذج المفتوحة، مشيراً إلى أن المنافسة باتت تتركز بصورة متزايدة بين الشركات الصينية في هذا المجال بعد انتقال عدد من المطورين الأمريكيين إلى النماذج المغلقة.أما شركة «أورانج»، فأكدت أن بنيتها التحتية قادرة على تشغيل جميع النماذج المفتوحة المصدر، بما فيها النماذج الصينية، معتبرة أن تشغيل هذه النماذج داخل أوروبا يمنح المؤسسات سيطرة كاملة على بياناتها، ومساءلتها وفق أولوياتها الخاصة دون الحاجة إلى إرسالها إلى الخارج.وأضافت الشركة أن القيود المفروضة على بعض خدمات «أنثروبيك» أظهرت بوضوح أهمية امتلاك أوروبا خدمات ذكاء اصطناعي يمكنها التحكم بها وضمان استمرارها بعيداً عن القرارات المفاجئة.التنويع بديلاًتبنت شركة «تشابس فيجن» الفرنسية، التي نجحت في الفوز بعقود حكومية في فرنسا وألمانيا لمنافسة شركة «بالانتير» الأمريكية، نهجاً قائماً على توزيع المخاطر بين عدة مزودين، إذ تستخدم نماذج من «ميسترال» و«أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» و«كوين».وتعتبر الشركة أن جوهر السيادة التكنولوجية لا يكمن في الاستغناء عن اللاعبين العالميين، بل في امتلاك بدائل جاهزة وفعالة عند انقطاع خدمة رئيسية أو تقييد الوصول إليها.كما تتفق شركات أخرى مثل «ساب» و«سوبرا ستيريا» مع هذا الطرح، مؤكدة أن المرونة الحقيقية تأتي من التنويع وليس من العزلة. وأشارت «كابجيميني»، المتخصصة مجال الاستشارات والخدمات التكنولوجية والتحول الرقمي، إلى أن عدداً متزايداً من مزودي الذكاء الاصطناعي بدأوا بالفعل تطوير حلول تسمح بتشغيل نماذجهم خارج بيئاتهم السحابية التقليدية، استجابة لمخاوف العملاء الأوروبيين.الكلفة تفرض معادلة جديدةلا تقتصر التحديات على الجوانب الجيوسياسية والتنظيمية، إذ بدأت كلفة استخدام الذكاء الاصطناعي تشكل عاملاً حاسماً في قرارات الشركات. فمع انتشار ما يعرف بـ«وكلاء الذكاء الاصطناعي» القادرين على تنفيذ مهام معقدة بشكل مستقل، ترتفع الحاجة إلى كميات ضخمة من عمليات المعالجة، ما يؤدي إلى زيادة فاتورة «التوكنز» أو الوحدات المحاسبية المستخدمة في تشغيل النماذج.وحذرت «أورانج» من أن كبار المديرين التنفيذيين سيصبحون أكثر حساسية تجاه كلفة التوكنز خلال الأشهر المقبلة، مشيرة إلى أن بعض الشركات الكبرى استنزفت ميزانياتها المخصصة لهذا البند بوتيرة أسرع من المتوقع.من جهتها، أكدت «رينو» أنها تتعاون مع مجموعة واسعة من المزودين تشمل «غوغل» و«مايكروسوفت» و«ميسترال» و«ديب سيك» و«داتا إيكو»، مشيرة إلى أن الارتفاع الحاد في تكاليف التوكنز يدفعها إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الخاصة بالذكاء الاصطناعي.