«أساطيل الظل».. حرب عالمية سياسية واقتصادية في البحار والمحيطات
تلعب «أساطيل الظل» دوراً متنامياً ليس فقط في صياغة المعادلات الاقتصادية والحسابات التجارية، بل باتت رقماً صعباً في صياغة التفاعلات السياسية، والتداخلات الجيوسياسية في ظل الدور الكبير الذي تلعبه في تهريب ملايين الأطنان من السلع والبضائع المحظورة، التي عليها عقوبات من دول أو من الأمم المتحدة.ولعبت «أساطيل الظل» دوراً غير مسبوق في صمود وبقاء دول كان يمكن أن ينهار اقتصادها، ويسقط نظام حكمها بدون ما تدره «أساطيل الظل» من مليارات الدولارات التي تحافظ على بقاء الأهداف السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية والعسكرية لهذه الدول التي تتعرض لعقوبات اقتصادية مشددة مثل كوبا وإيران وكوريا الشمالية وفنزويلا في عهد هوجو شافيز ونيكولاس مادورو.**media[7942432,7942429]**يؤكد توظيف «أساطيل الظل» في الصراعات الدولية أن ساحات الحروب الجديدة لم تعد فقط تقتصر على جبهات القتال، بل تدور رحاها في البحار والمضائق والمحيطات بعد أن أصبحت ما تسمى ب «أساطيل الظل» ساحة حرب حقيقية بين الدول التي تملك وتشغل هذه الأساطيل من جانب، والمجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي تفرض عقوبات - بشكل فردي أو جماعي - ضد الدول والشركات التي تدير «أساطيل الظل» في المياه الدولية، وهناك تقديرات بأن الحصار البحري الأمريكي على السواحل الفنزويلية، وتضييق الخناق على «أسطول الظل الفنزويلي» ساهم بقوة في نجاح العملية العسكرية الأمريكية لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في «عملية العزم المطلق» 3 يناير الماضي.وزاد الاعتماد على «أسطول الظل» منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية في 24 فبراير 2022 حيث تشير التقديرات إلى أن هناك نحو 3400 ناقلة تعمل ضمن «أساطيل الظل أو ما يعرف ب Shadow Fleets»ويمثل هذا العدد من «أساطيل الظل» نحو 18% من إجمالي الأسطول البحري العالمي الذي يتجاوز 105 آلاف سفينة وناقلة عملاقة تجوب البحار والمحيطات على مدار الساعة، فلماذا يطلق على هذه السفن والناقلات «أساطيل الظل»؟ وكيف يؤثر عمل «أساطيل الظل» في الاقتصاد العالمي؟ وهل تعمل هذه الأساطيل غير القانونية على تمويل الحروب والجماعات الإرهابية؟**media[7942430]**صراع جيوسياسيلا يمكن النظر إلى «أساطيل الظل» باعتبارها قضية اقتصادية، بل هي جزء رئيسي من «الصراع الجيو- سياسي» بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين من جانب، وروسيا والصين وإيران وفنزويلا من جانب آخر، فالصين ترى في شراء النفط الروسي دعماً سياسياً وعسكرياً لروسيا في مواجهة التنافس الجيوسياسي مع الولايات المتحدة، لأن ضعف روسيا أو سقوطها في معركتها مع الغرب سوف يكون له تأثير سلبي على حسابات بكين مع واشنطن، وبنفس السيناريو تنظر الصين إلى إيران حيث تدعمها بكل ما تملك من وسائل، وظلت تستورد النفط الإيراني رغم كل العقوبات الغربية والأممية المفروضة على النفط الإيراني منذ تظاهرات «الثورة الخضراء» عام 2009، وكان شراء الصين النفط الفنزويلي أكبر داعم لحكومات هوجو شافيز ونيكولاس مادورو طوال أكثر من عقدين، وهو ما ساهم في بقاء وصمود حكومات شافيز ومادورو لسنوات طويلة ما شكل ركيزة لتوسيع النفوذ الصيني بالقرب من «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية والكاريبي، وهناك مجموعة من المشاهد التي ترسم الصورة الكاملة عن «أساطيل الظل»..وأبرز هذه المشاهد هي:**media[7942428]**أولاً: أساطيل شبحيةلم تعد الحروب تدار فقط بالصواريخ البالستية والفرط صوتية والمسيرات الشبحية الجديدة، لكن أيضاً عبر شبكة معقدة من «الشركات الوهمية» التي تعمل كواجهه لحساب الحكومات والدول التي عليها عقوبات أممية أو غربية، وبات يطلق على هذه السفن والناقلات «أساطيل الظل» أو «الأساطيل الشبحية»، نظراً لأن هذه الناقلات العملاقة تقوم بتغيير أسمائها باستمرار، بل وتغير ملكيتها وفق سياسة «الباب الدوار» بين الشركات التي تعمل لصالح هذه الدولة أو تلك، وهذه السياسة تعني أن السفينة الواحدة يمكن أن تغير اسمها مرتين أو ثلاثاً في العام الواحد، كما يمكن أن تنتقل ملكيتها والعلم الذي ترفعه أكثر من مرة سنوياً، وكل ذلك بهدف التضليل والهرب من العقوبات، ودائماً ما تقوم هذه الناقلات بإطفاء «نظام التتبع الآلي» في المياه الدولية، وتخفي وجهتها النهائية، وتقوم بشكل مفاجئ بتغيير مسارها حتى تهرب من الرقابة الدولية، ويراقب الأسطول الأمريكي في الوقت الحالي السواحل الكوبية حتى لا تصل إليها إمدادات روسية أو إيرانية عبر «أسطول الظل» الروسي أو الإيراني، كما أن الدول الأوروبية تتابع الموانئ الروسية في بحر البلطيق والبحر الأسود لمراقبة ومعرفة عدد ناقلات الظل والحمولات التي تحملها والوجهات التي تتجه إليها.ثانياً: التزييفاستفادت «أساطيل الظل» من التكنولوجيا الحديثة في التهرب من الرقابة الدولية عبر «التزييف الرقمي» حيث تعطي إشارات مزيفة عن موقعها الرئيسي، فإذا كانت تقف في بحر البلطيق أو البحر الأسود بالقرب من الموانئ الروسية يمكنها أن تعطي إشارات مزيفة على الرادار بأنها في البحر المتوسط أو حتى في المحيط الهندي، وغالباً ما تقف هذه الناقلات في المياه الدولية القريبة من المياه الإقليمية لروسيا أو إيران أو فنزويلا، ويتم نقل النفط من السفن الأخرى إليها في حال إدراكها أنها مراقبة أو وجود قطع عسكرية غربية قريبة منها، ويصل «التزييف» إلى إصدار شهادات منشأ مزورة تقول بأن هذا النفط أو البتروكيماويات قادمة من جهة أخرى دون الإشارة إلى روسيا وإيران وفنزويلا، ويتم تسجيل مثل هذه الناقلات في دول لا تتمتع بالصرامة القانونية الكاملة مثل بنما وليبيريا ومنغوليا.ثالثاً: الحرب الأوكرانيةلعبت ناقلات «أسطول الظل» دوراً كبيراً في نقل النفط والغاز الروسي إلى الأسواق الآسيوية منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية في 24 فبراير 2022 عندما حددت دول الاتحاد الأوروبي 60 دولاراً كحد أقصى للنفط الروسي، وتضم الأساطيل الشبحية الروسية شبكة ضخمة من الناقلات القديمة التي تضم نحو 1400 ناقلة، والتي يتم التأمين عليها بمبالغ أقل مقارنة بالسفن والناقلات الجديدة، وتعمل خارج النظام المالي والبحري الدولي المعترف به، ويعود السبب في أن التأمين عليها يكون بأسعار زهيدة إلى أنها سفن قديمة وانتهت صلاحيتها، كما أنها تعمل وفق مخاطر كبيرة حيث تقوم البحرية الأمريكية بالقبض على مثل هذه السفن كما جرى مع السفن التي حاولت أن تهرب من السواحل الفنزويلية قبل القبض على الرئيس نيكولاس مادورو.ولهذا تتعرض الكثير من الشركات التي تدير «أساطيل الظل» لعقوبات أمريكية وغربية**media[7942430]**رابعاً: التحدي والاستجابةشكل اللجوء إلى «أساطيل الظل» نوعاً من الاستجابة للتحدي الذي فرضته سياسة فرض العقوبات الأمريكية والأوروبية على دول مثل روسيا وإيران وفنزويلا، وهو ما ساعد موسكو وطهران وكاراكاس على تخفيف آثار العقوبات على اقتصاداتها، الأمر الذي جعل «الأساطيل الشبحية» بمثابة «اقتصاد موازٍ» للاقتصاد العالمي، ليس فقط لأنها تحمل بضائع غير قانونية وعليها عقوبات، بل لأنها تحمل النفط بأسعار أقل من الأسعار العالمية حيث تقدم روسيا وإيران وفنزويلا حتى عهد مادورو خصماً يصل إلى 30% على النفط والغاز بهدف تشجيع المصافي ومحطات الغاز الآسيوية على الشراء، وقد نجحت هذه السياسة في تجنب الانهيار الكامل لاقتصادات دول مثل روسيا وفنزويلا، فعلى سبيل المثال حققت روسيا معدلات نمو اقتصادي في عام 2025 أعلى من منطقة اليورو، ويعود الفضل في ذلك إلى «أسطول الظل» الروسي الذي نجح في نقل كميات كبيرة من النفط والغاز والفحم الروسي إلى الأسواق الآسيوية عندما أغلقت أوروبا أبوابها أمام مصادر الطاقة الروسية منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية.ولهذا فإن هدف «أساطيل الظل» في النهاية هو هدف سياسي لكسر الهيمنة الأمريكية، لأن البيت الأبيض يرى في العقوبات الاقتصادية «يده الطولى» في معاقبة وإضعاف المنافسين، والأغلبية العظمى من شركات «التأمين البحري»، ونوادي الحماية والتعويض مقرها في أوروبا والولايات المتحدة، ولهذا فإن «أساطيل الظل» هي رد من الدول المستهدفة عبر خلق منظومة بديلة لا تعتمد على التأمين الغربي والدولار الأمريكي والسفن الغربية، وهو ما يضعف في النهاية من فاعلية العقوبات.خامساً: خريطة جديدةخلقت «أساطيل الظل» خريطة جديدة للتجارة العالمية، فحتى نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين كان النفط والغاز يتدفقان من روسيا إلى أوروبا عبر خطوط قصيرة مثل «نورد ستريم 1»، وخط «يامال»، وخط «براتستفو وسويوز» والسيل التركي و«بلو ستريم» وخط «دروجبا»، لكن مع تنامي أساطيل الظل بات يتم نقل النفط والغاز إلى مسافات بعيدة، وفي رحلات طويلة تستغرق أسابيع حتى تصل إلى الهند والصين، ويتم الدفع بالعملات المحلية مثل الروبية واليوان بما يعزز من التبادل التجاري بالعملات الوطنية، ويهدد هيمنة الدولار، ونظراً للمخاطر العالية للمتعاملين مع هذه التجارة باتت هناك طبقة جديدة من هؤلاء التجار المغامرين، بالإضافة إلى الوسطاء والسماسرة الذين يحققون مكاسب خيالية لا يمكن أن تتكرر في أي تجارة أخرى.سادساً: قنابل موقوتةتشكل «أساطيل الظل» قنابل بيئية موقوتة لأسباب كثيرة منها أن النفط يتسرب أثناء النقل من سفينة تعمل في المياه الإقليمية إلى الناقلة التي سوف تذهب في رحلات طويلة في المياه الدولية، ونظراً لأن سنوات عمل سفن «أساطيل الظل» تزيد على 25 عاماً فهي قابلة لتسريب النفط أكثر بكثير من السفن الجديدة التي لا تزيد سنوات خدمتها على 10 سنوات، وعندما يحدث كسر أو اصطدام من سفن «أساطيل الظل» لا تجد الدولة المتضررة جهة تطالبها بالتعويض، لأن مثل هذه الناقلات يكون عليها تأمين محلي غير معترف به دولياً، وقد تختفي الشركة المشغلة لناقلة الظل حال كسرها أو اصطدامها أو حدوث تسرب نفطي منها، كما تهدد «أساطيل الظل» حركة الملاحة في الممرات البحرية لأن كسرها أو حتى جنوحها يعطل الملاحة في الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي.**media[7942427]**سابعاً: القط والفأربينما تحاول الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة اصطياد السفن التي تعمل ضمن «أساطيل الظل»، تعمل الدول التي تشغل هذه الأساطيل غير القانونية على ابتكار أدوات جديدة للتهرب من العقوبات، وقد بدأت بالفعل الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون - عبر وزارة الخزانة الأمريكية - فرض عقوبات محددة على ناقلات «أساطيل الظل» بإصدار «قوائم سوداء» بأسماء وأرقام وأوصاف هذه الناقلات، وممارسة ضغوط سياسية على «دول العلم»، وهي الدول التي تسمح بتسجيل هذه السفن على أراضيها ورفع أعلامها مثل بنما والجابون، وغالباً عندما تعلن الولايات المتحدة عن قائمة سوداء تختفي هذه السفن من هذه القائمة لتظهر بعد ذلك في دولة أخرى، ونظراً للأرباح الخيالية التي يحققها من يعملون في مجال «أساطيل الظل» فإن العاملين عليها وفيها يبذلون كل ما في وسعهم من أجل الحفاظ على هذا المجال والتوسع فيه، وهو ما يقول إننا أمام صراع إرادات بين الولايات المتحدة والدول الغربية التي تفرض العقوبات، وروسيا وإيران والصين التي تسعى للالتفاف والتهرب من هذه العقوبات، فبينما يكافح العالم من أجل وضع القوانين التي تحافظ على الشفافية والأمان في المجال البحري تأتي «أساطيل الظل» لتخرق تلك القوانين في عرض البحر.المؤكد أن «أساطيل الظل» ليست حالة طارئة تتعلق بأزمة مثل الحرب في أوكرانيا وينتهي الأمر، بل إن كل المؤشرات تقول إنها باتت جزءاً رئيسياً من لعبة كبيرة يجري توظيفها في إطار السعي نحو تغيير التوازنات القائمة والصراعات الجيوسياسية بين القوى الكبرى.aymin_samier@yahoo.com**media[7942431]**