أحمد الفلاسي يروي حكايات البحر بالألوان

لطالما كان البحر مصدر الإلهام الأول للرسامين والفنانين الإماراتيين؛ فهو ركن أساسي من أركان البيئة المحلية وشريان حياتها. وبين أمواجه العاتية، تقبع حكايات الغوص وصيد اللؤلؤ ومهن الأجداد، ونشاطهم الاجتماعي الحافل بالقصص والمشاهد. ومن زرقة مياهه وصفرة رماله، استوحى الفنانون عشرات الأعمال النابضة بالحياة، التي تُعبّر عن ارتباط الإنسان الإماراتي بواقعه وهويته.حول الفنان أحمد بن معصم الفلاسي تفاصيل البيئة المحلية ومفرداتها إلى أعمال فنية محتشدة بجماليات راقية. ولعل من أكثر المواضيع التي شغلت الفنان: ذاكرة المكان، وحكايات البحر، والقلاع التاريخية، والسواحل، والسفن والمراكب. فبعد مغامرات مع المدرسة السريالية، استقر الفلاسي على أسلوب يدمج بين التيارين الانطباعي «التأثيري» والواقعي؛ لتوثيق لحظات الحياة اليومية. ولشدة براعته في التلوين، لقّبه فنانون ونقاد بـ«نوخذة الألوان»؛ وهو لقب كان يُطلق قديماً على ربان السفينة في الإمارات والخليج، ما يعكس ارتباط الفنان الوثيق بالبحر.* نظرة ملهمة**media[7969469]**من أبرز هذه اللوحات التي يسكب فيها الفلاسي ألقه الإبداعي، لوحةٌ تجسّد مشهداً بحرياً ساحراً؛ حيث يطفو قارب خشبي تراثي «المحمل» فوق أمواج هادئة، بينما يقف «النوخذة» على مقدمة المركب ممسكاً بمجدافه، ويرنو نحو الأفق بنظرة مُلهمة. وفي الأفق، يمتد أمام القارب شعاع ضوئي يتخذ هيئة هالة برتقالية ساحرة ومبهرة، تُحيط بها النجوم المضيئة.ولعل اللوحة تشير مباشرة إلى أسلوب الفلاسي الفريد؛ إذ يمزج بين تيارات فنية تتداخل فيها الانطباعية التأثيرية بالسريالية لتشكل مشهداً حالماً. ويضفي العمل لمسة روحانية تُعبّر عن فكرة اهتداء البحارة القدامى بالنجوم، حيث نجح الفنان في رسم مشهد راسخ في الذاكرة، يُحفّز الناظر على التأمل في عوالمه الغامضة.ولا شك في أن العمل يعكس رؤية فلسفية عميقة؛ إذ يربط الأرض بالسماء، والماضي بالحاضر، والفنان بهويته وبيئته. فاللوحة تحمل أبعاداً فكرية وجمالية تتجاوز الفكرة التقليدية المتمثلة في رسم قارب وسط البحر؛ حيث جعل الفنان حركة القارب مرتبطة بحركة الكون ككل. أما الشعاع الذي يتراءى في الأفق، فيُعبّر عن فكرة الأمل، والطموح، والبحث عن النور، وكأن المشهد يحاكي مسيرة الإنسان على الأرض. كما تبرز اللوحة فلسفة الفنان وأسلوبه في تجسيد المكان، وإحياء ذاكرته وحكاياته التي لا تنتهي.*اعتزازتشير وقفة البحار المُلهمة في مقدمة المركب إلى جملة من المعاني؛ أبرزها الثبات، والاعتزاز، والفخر بالهوية، والتحدي في مواجهة المجهول، كما تعكس تأملاً روحياً عميقاً في الطبيعة ومحاولةً لاستجلاء غموضها. أما مشهد غروب الشمس في جهة، وظهور الهلال في يمين اللوحة، فما هو إلا فكرة رمزية تُشير إلى الزمن وتعاقب الليل والنهار في مشهد بصري واحد يتسم بقوة الإلهام.*حركةتبرز القيمة الجمالية الرفيعة للوحة من خلال اعتمادها على حركة اللون والضوء؛ إذ نجح الفنان في تقسيم العمل جمالياً إلى فضاءين: أحدهما دافئ يغلب عليه اللون الأرجواني، والبنفسجي، والبرتقالي اللامع، ما يُعمّق الشعور بالغموض والعجائبية. أما الفضاء الآخر، فتهيمن عليه زُرقة اللون الصافي والتدرجات الفيروزية، بطريقة تمنح العين شعوراً بالصفاء، والرضا، والهدوء النفسي العميق.كما يبرز الألق الإبداعي في اللوحة من خلال أسلوب توزيع الإضاءة؛ إذ يبدو الضوء وكأنه ينبعث من مصدر غامض ومسحور بدلاً من كونه طبيعياً، حيث يتفجر ككتلة دافئة تكسر عتمة الفضاء، وتُضيء مقدمة القارب وجسد البحار. ولعل من أبرز المميزات الفنية للفلاسي، وضعه للقارب في الثلث السفلي الأيمن؛ ليصنع توازناً بصرياً مع ثقل الشعاع والنجوم في الجانب العلوي الأيسر، ما يتيح لعين المشاهد التنقل بسلاسة بين تفاصيل اللوحة. وفي الوقت نفسه، تظهر خلفية السماء والبحر بضربات فرشاة بارزة تعكس الأسلوب الانطباعي، وتمنح العمل حيوية وحركة تجعل الألوان نابضة بالحياة.وتتضح في اللوحة تلك الجدلية اللونية التي تُحيل العمل إلى حوارية بصرية عميقة نابضة بالدلالات الإبداعية؛ إذ يبني الفنان صراعاً لونياً متوازناً عبر توظيف الألوان المتناقضة، بين الساطعة والهادئة، والدافئة والباردة، ما يجعل اللوحة تحتشد بالتفاصيل الجمالية إلى جانب أبعادها الفكرية العميقة، فقد نجح الفنان في التعبير عن مشهد بحري بقوة الألوان، بصورة تجعله يحمل الكثير من الدلالات العميقة.