tayyar.org – بين التفاوض والسيادة: نحو عقد وطني عادل – جبران باسيل

وقعتُ قبل أيام على مقطع مصوَّر لسماحة الإمام المغيَّب موسى الصدر، يحذِّر فيه من اشتعال جبهة الجنوب بعد اتفاق القاهرة في سبعينات القرن الماضي، إثر انتقال المقاومة الفلسطينية إليه بموافقة الحكومة اللبنانية وبغطاء عربي، ويعترض فيه على أنّ الجنوب ومعه لبنان، يدفعون أثماناً باهظة جرّاء ذلك. إذاً، كلام الإمام حينها لم يكن شهادة عابرة، بل هو تحذيرٌ تاريخيٌّ يتجدّد صداه اليوم.إنّ الفترة الأخيرة من حياة لبنان لا يمكن أن تمرّ من دون مراجعة شاملة لما نحن فيه، واستشراف لما يجب أن نصبح عليه.دماء الشهداء، وآلام الجرحى، والبيوت المهدّمة عمداً، والتضحيات التي بذلها أهل الأرض لا يجوز أن تضيع، بل يجب أن تتحوَّل إلى قوّة وطنية تُترجم في تثبيت حقوقنا الكاملة، وترسيخ أمننا وسيادتنا. من هنا، يصبح التفاوض خياراً مسؤولاً، لا من موقع الضعف، بل كمسارٍ متكاملٍ لاستثمار هذه التضحيات في معركة استعادة ما سُلب من لبنان.في لحظةٍ إقليميةٍ شديدة التعقيد، يقف لبنان أمام مفترق حاسم: إمّا أن يدير موقعه كدولة ذات سيادة، أو يُترك وحيداً لفرض الشروط عليه.بناءً عليه، نؤكّد قبول مبدأ التفاوض مع إسرائيل، كأداة لاستعادة الحقوق لا للتفريط بها. أمّا شكل التفاوض فهو شأنٌ آخر. إنّه أمرٌ تكتيكيٌّ وله شروطه وظروفه.نقبل التفاوض، لكن من موقع المعتَدى عليه وغير المستسلم، وبسقف واضح: انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من كامل أراضينا المحتلّة ووقف لجميع أشكال الاعتداءات، واستعادة سيادتنا التامة برّاً وبحراً وجوّاً، وحماية ثرواتنا الطبيعية وحقّنا في استثمارها، وفي مقدّمها الغاز والنفط والمياه. كل ذلك ضمن الحدود المعترف بها دولياً، بما فيها اتفاق الترسيم البحري المُنجَز، وفوق كل ذلك تثبيت حقّ المواطنين المهجّرين بالعودة إلى مدنهم وبلداتهم بلا قيد أو شرط، مدعومين بخطة للعودة وبقرار لإعادة إعمار ما تهدّم ومطالبة إسرائيل بالتعويضات المحقّة.كذلك نقبل التفاوض شرط أن يُحصر في إطار قنوات ديبلوماسية وعسكرية، ومن دون أي تنازل يمسّ السيادة، ومن دون أن يتحوَّل إلى تنسيق سياسي أو اعتراف مجاني أو إلغاء لحال الحرب من دون ضمانات، وقبل الوصول إلى اتفاق سلام عادل.إنّ لبنان حالياً في حال حرب مع إسرائيل، ونحن نريد إنهاءها والوصول إلى السلام، ولكن قبل ذلك لا بدّ من أن ندخل مساراً تفاوضياً سليماً تتحقّق فيه مطالبنا وحقوقنا. وللتفاوض شروطه مع الخارج، وأصوله الدستورية في الداخل، أكان في رئاسة الجمهورية أو الحكومة أو مجلس النواب.أمّا قوّة لبنان التفاوضية فتبدأ من وحدته الداخلية، وتحصين موقفه يمرّ حتماً بتعزيز مناعته. ومن هذا المنطلق، ندعو