ADVERTISEMENT

tayyar.org – التسليحُ الانتقائي وأزمة الرؤية… الجيش بين فخّين

الطيار
May 16, 2026

طلال عساف-ثمّة مفارقة لافتة تُلازم الجيش اللبناني منذ عقود. هو المؤسسة الأكثر شعبيةً، والأضعف تسليحاً بين جيوش المنطقة. كثيرون يُفسّرون ذلك بالأزمات المتتالية وشحّ التمويل. لكنّ القراءة الأدقّ تنحو صَوب أنّ هذا الضعف ليس مصادفة بل سياسة. تريد الدول المانحة الكبرى جيشاً قوياً بما يكفي لضبط الأمن الداخلي، لا جيشاً قوياً بما يكفي لاحتكار القوّة وتغيير معادلات الإقليم. هذه المسافة الدقيقة بين الغايتَين هي الفخ الأول.الفخّ الثاني داخلي. لم يُجِب لبنان حتى اليوم عن السؤال الجوهري: جيش لماذا؟ ما دامت الإجابة غائبة أو ملتبسة، يبقى التسليح الانتقائي مقبولاً لأنّه يملأ فراغ الرؤية. في غياب الرؤية، يملأ التسليح الأجنبي الفراغ بأجندات المانح لا بمتطلّبات الدفاع الوطني. منذ تأسيس برنامج المساعدات العسكرية الأميركية للبنان في مطلع الألفية الثالثة، استقطب الجيش دعماً تراكم بالمليارات. ورَّدت فرنسا المدرّعات والتدريب، فيما قدّمت قطر والسعودية حزماً مالية للتجهيز والمساعدة. مع ذلك يفتقر الجيش إلى منظومات دفاع جوي فاعلة، وتبقى قدراته البحرية دون مستوى حماية ثروات الغاز الكامنة في المياه، بينما تغيب عن المخزون الصواريخ المضادة للدروع بمديات كافية. ليست هذه الفجوات نتاج ضعف تمويلي فحسب. كل دولة مانحة تُشكّل الجيش على صورة مصلحتها. تريد الولايات المتحدة قوّة لمكافحة الإرهاب وحفظ الحدود، بينما تُحافظ فرنسا على نفوذ رمزي تاريخي. أمّا دول ثالثة، فتربط دعمها بمعادلات سياسية داخلية.يقع الأردن في محيط إقليمي لا يقلّ تعقيداً ومخاطر. يُحاذي إسرائيل وسوريا والعراق، ويحمل ملف اللاجئين والثقل الفلسطيني، ويعيش تحت ضغوط اقتصادية مزمنة. مع ذلك بنى على مدى عقود جيشاً ذا هوية استراتيجية واضحة، مُعترَفاً به إقليمياً كقوّة مهنية تستحق الاعتبار. لم يكن العامل المختلف الموارد المالية، فالأردن ليس غنياً، ولا الجغرافيا الأكثر أماناً. العامل المختلف هو وضوح القرار السياسي الداخلي. الجيش هو المرجع الأمني الوحيد، لا شريك له ولا منافس. سبق هذا القرار التسليح ولم يتبعه.في لبنان، لم يُتَّخذ القرار الواضح حتى اليوم، لأنّ اتخاذه يعني الإجابة عن سؤال السلاح خارج الدولة، وهو السؤال الذي يُؤجَّل منذ اتفاق الطائف. يمثّل الانتشار الجنوبي للجيش في أعقاب حرب سنة 2024 أوسع تمركز ميداني له منذ عقود. رمزياً هو تحوُّل. لكنّ الرمز وحده لا يبني استراتيجية. يشبه الانتشار الجغرافي من دون تغيير في سقف التسليح، إدارة أرض واسعة بأدوات لم تتغيّر. يملأ الجيش الفراغ الميداني، لكنّه لا يزال يفتقر إلى الأدوات التي تجعل هذا الملء ذا معنى أمني حقيقي في مواجهة التهديدات غير المتكافئة. السؤال الأجدر بالطرح: هل يُوظَّف هذا الانتشار مدخلاً للمطالبة بتغيير شروط الدعم الدولي؟ يملك لبنان ورقة تفاوضية نادرة، جيش يثبت قدرته الميدانية، وبيئة دولية تُريد استقراره، ومرحلة إعادة بناء تتطلّع إليها عواصم كثيرة. إهدار هذه اللحظة في خطاب الامتنان للدعم الموجود، بدلاً من التفاوض على دعم مختلف، تكرار للأخطاء الماضية. لا يحتاج الخروج من هذا المأزق معجزةً، بل شروطاً ثلاثة: – أولها، القرار السياسي الداخلي بأنّ الجيش هو المرجع الأمني الوحيد، وهذا يعني مساراً جديّاً حول خطة واضحة وصريحة تنتهي حكماً بتكريس أحادية السلاح وقرار السلم والحرب.- ثانيها وثيقة تُحدِّد بوضوح الدور المتخيَّل للبنان وما الذي يُدافَع عنه، كيف، وبأي أدوات وعناصر قوّة، وهي يا للمفارقة، وثيقة غائبة منذ الاستقلال. من شأن هذا أن يجعل لبنان حاجةً إقليمية ودولية لا مجرّد دولة تطلب الحماية.- ثالثها، تفاوض دولي صريح لتغيير سقف التسليح المسموح به، ينطلق من موقف سيادي لا من موقف المتلقّي الممتنّ. الشرط الأول هو المفتاح. من دونه يظل الثاني خطةً على ورق والثالث طلباً بلا سند. ويمرّ تحقيق الشرط الأول حتماً عبر معالجة ملف السلاح خارج الدولة، ليس بالمواجهة العقيمة، بل ببناء دولة تقدّم بديلاً ثابتاً وتُتيح خروجاً آمناً لمن يحمل السلاح خارج مؤسساتها. لا تُبنى الجيوش بالسلاح وحده. تُبنى بالإجابة عن سؤال مركزي. جيش لماذا؟بُني الجيش الإسرائيلي على إجابة وجودية واضحة، وبُني الجيش الأردني على إجابة سياسية واضحة. يملك الجيش اللبناني الكفاءة البشرية والمهنية، لكنّه يفتقد إجابة سياسية واضحة، لأنّ الدولة التي يفترض أن يخدمها لم تُجِب عن هذا السؤال بعد. ما دام هذا السؤال معلّقاً، يظل التسليح الانتقائي للمانحين الخارجيّين خياراً مقبولاً، بل مريحاً لهم، لأنّه يُبقي الجيش عاملاً مفيداً من دون أن يُحوّله فاعلاً مستقلاً. وهذا تحديداً الفخ الذي ينبغي الخروج منه، ليس بالمطالبة بأسلحة أكثر، بل بامتلاك رؤية أوضح.

شارك هذا المقال

اقرأ المقال كاملاً على المصدر

مقالات ذات صلة

عمدة نيويورك يحيي ذكرى النكبة بمنشور يثير الجدل
 نشر عمدة نيويورك زهران ممداني على حسابه في منصة X رسالة بمناسبة يوم النكبة، تضمنت مقطع فيديو لشهادة إحدى سكان المدينة، إنيا، التي قالت إنها "ناجية من النكبة". وقالت إنيا إنها فرت مع عائلتها من القدس وهي طفلة “بعدما وصل الصهاينة إلى المنطقة”. وعلق ممداني على الفيديو بالقول إن قصتها تمثل واحدة من 700 ألف…
AD DIYAR
May 16, 2026
إسحاق بريك: ترامب يفضّل مصالح أميركا على “إسرائيل”
نقلت قناة "آي 24 نيوز" الإسرائيلية، عن لواء الاحتياط ومفوض شكاوى الجنود سابقاً إسحاق بريك، حديثه عن أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينظر اليوم إلى المصالح الأميركية باعتبارها الأولوية المطلقة، ويرى أن الوصول إلى اتفاق مع إيران أهم من كل مصالح سلطات الاحتلال الإسرائيلي مجتمعة.
AD DIYAR
May 16, 2026
ADVERTISEMENT
All Portals 🇱🇧🇦🇪🇪🇬🇸🇦 كل البوابات
آخر الأخبار سياسة إقتصاد وأعمال رأي دولي رياضة ترفيه مجتمع محلي