اعتدنا السفر المليء بالفعاليات والمغامرات والنشاطات لنشعر أنّنا قمنا بتجارب جديدة في سفرتنا. لكن في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة، ويزداد فيه ضغط الإشعارات الرقمية والضوضاء، نحتاج إلى الهروب إلى ملاجئ أهدأ في سفراتنا، بحيث بدأ الهدوء يكتسب مكانة جديدة في تجارب السفر والإقامة.
اتجاه جديد في عالم السياحة مصمَّم لمساعدة الضيوف على الابتعاد عن صخب الحياة اليومية، من خلال توفير بيئات هادئة، ومساحات خاصة، وتجارب تتيح الاسترخاء وتقليل المشتّتات. وقد تشمل هذه التجارب الإقامة وسط الطبيعة، أو الاستمتاع بعلاجات السبا، أو ممارسة التأمل، أو المشاركة في نشاطات صامتة، أو حتى الابتعاد موقتًا عن الأجهزة الرقمية.
وتمنح هذه الأماكن الأفراد فرصة للابتعاد عن الضغوط، واستعادة طاقاتهم، والاستمتاع بلحظات من السكون والعودة إلى الذات. من هنا، برز اتجاه الـ Hushpitality الذي يجمع بين كلمتي Hush (الهدوء أو الصمت) وHospitality (الضيافة)، ليكون الهدوء هو تجربة الضيف.
تُظهر نتائج تقارير نشرتها مجموعة "هيلتون" لعام 2026 أنّ 56 في المئة من المشاركين يعتبرون الراحة واستعادة النشاط الدافع الأول للسفر الترفيهي. وأشار 37 في المئة إلى رغبتهم في قضاء الوقت في الطبيعة، فيما ذكر 36 في المئة تحسين صحتهم النفسية ضمن دوافع السفر.
بحسب "هيلتون" أيضاً، يُعد سفر الأفراد بمفردهم الحل الأمثل للظفر بالهدوء، إذ يخطط 26 في المئة من المسافرين للسفر منفردين في عام 2026، بينما يشير 48 في المئة منهم إلى نيتهم إضافة أيام للسفر الفردي ضمن برامج رحلاتهم، سواء قبل أو بعد رحلاتهم العائلية المقررة في ذلك العام. وحتى في الرحلات الجماعية، يخطط 28 في المئة من المسافرين لاقتناص لحظات أكثر هدوءاً بمفردهم، سواء كان ذلك من خلال تناول الطعام وحيدين في مطعم الفندق، أو الاستمتاع بمشروب في ردهة الفندق، أو التجول في الحي المجاور.
وفي سياق متصل، تشير بيانات Global Wellness Institute لعام 2026 إلى أنّ الخصوصية هي رفاهية (The Luxury of Privacy) ضمن اتجاهات سياحة العافية، بما يتوافق مع تجارب الإقامة التي تمنح المسافر مساحة شخصية وابتعاداً عن الازدحام والمشتّتات. وبحسب المعهد أيضاً، يندرج البحث عن الراحة العميقة (In Search of Deep Rest) كتجارب السفر التي تضع الراحة والنوم والاستجمام في مقدّمة الأولويات، واستعادة التوازن (The Nervous System Reset) الذي يتمحور حول تجارب تخفيف الضغوط والاسترخاء.
وفي بيانات العام الماضي الصادرة عن المعهد نفسه، يظهر أنّ الإنفاق العالمي على سياحة العافية بلغ نحو 893.9 مليار دولار في عام 2024، مسجلاً نمواً بنسبة 13.8 في المئة مقارنة بعام 2023. ويشمل هذا القطاع مجموعة واسعة من تجارب السفر المرتبطة بالعافية، وليس الإقامات الهادئة وحدها، لكنه يوضح اتساع السوق الذي تندرج ضمنه تجارب الاسترخاء والاهتمام بالصحة والرفاه.
كيف تطبّق الفنادق الـ Hushpitality؟
يختلف الأمر بحسب طبيعة الفندق وتجربة الإقامة التي يقدّمها. فبعضها يختار مواقع بعيدة نسبياً عن صخب المدن، مثل الأكواخ المحاطة بالغابات أو المنتجعات المطلة على البحر، بينما يوفّر البعض الآخر مساحات مخصصة للتأمل والاسترخاء، أو مسارات للمشي وسط الطبيعة، أو برامج تركز على النوم والراحة.
وقد يتخذ الهدوء أشكالاً مثل تناول الطعام بصمت، تخصيص وقت للقراءة والتأمل بعيداً عن الهواتف، أو المشاركة في خلوات صامتة تمتد لساعات أو أيام.
ومن الأمثلة التي توضح تجارب سفر صامتة، تجارب الغداء والعشاء الصامت. فهذه التجربة تتيح للضيوف الانتباه إلى تفاصيل الطعام والمحيط من دون الحاجة إلى الالتزام بخلوة صامتة طويلة، في نوع من اليقظة الذهنية. ومن التجارب الصامتة الأخرى، المشي الصامت والإقامات التي تحدّ من الاتصال بالإنترنت وبرامج تركز على النوم وسط الطبيعة.
ولا يعني هذا المفهوم بالضرورة غياب الأصوات تماماً، بل يتمثّل في توفير بيئة أقل ازدحاماً بالمحفّزات. فقد تكون تجربة الهدوء في الاستماع إلى أصوات البحر، أو المشي في الغابة، أو الاستمتاع بجلسة سبا، أو قضاء وقت منفرد من دون التزامات اجتماعية. وهذا بحد ذاته بات شكلاً من أشكال الرفاهية.