الأرقام لا تكذب.. فلماذا يتجاهلها دي لا فوينتي؟
لم يكن الجدل الدائر حول منتخب إسبانيا في كأس العالم 2026 متعلقًا بالهجوم الناري أو خط الوسط المليء بالنجوم أو حتى بالخيارات التكتيكية للمدرب لويس دي لا فوينتي، بل انحصر بشكل لافت في مركز حراسة المرمى.
فبينما يمتلك المنتخب الإسباني ثلاثة من أبرز الحراس في القارة الأوروبية، يتصدرهم ديفيد رايا حارس آرسنال، الذي خرج من موسم استثنائي جعله أحد أفضل حراس العالم، ما زال أوناي سيمون يحتفظ بمكانه الأساسي دون أن يبدو أن هناك أي تهديد حقيقي لموقعه.
هذا القرار أثار موجة واسعة من التساؤلات داخل إسبانيا وخارجها، خصوصًا بين جماهير آرسنال وبرشلونة، التي ترى أن رايا، وحتى خوان جارسيا، يستحقان الحصول على الفرصة قبل حارس أتلتيك بلباو.
لكن بالنسبة إلى دي لا فوينتي، تبدو المسألة أبعد من مجرد أرقام أو إحصائيات، إذ ترتبط بعامل أكثر حساسية وتأثيرًا في عالم كرة القدم: الثقة والولاء، وذلك حسبما أفاد موقع "جول".
إذا كانت هناك طريقة موضوعية للحكم على أداء حراس المرمى، فإن أرقام ديفيد رايا خلال موسم 2025-2026 تكاد تكون حاسمة.
الحارس البالغ من العمر 30 عامًا لم يكتفِ بقيادة أرسنال نحو لقب الدوري الإنجليزي الممتاز الذي انتظرته جماهير النادي طويلًا، بل فرض نفسه كواحد من أبرز نجوم الموسم بأكمله.
حصد رايا جائزة القفاز الذهبي في الدوري الإنجليزي الممتاز للموسم الثالث تواليًا، بعدما حافظ على نظافة شباكه في 19 مباراة من أصل 37 مباراة خاضها في المسابقة، وهو أفضل رقم له منذ انضمامه إلى آرسنال.
ولم تكن تلك الأرقام مجرد إحصائيات جامدة، بل انعكاسًا لتأثير مباشر على نتائج الفريق. ففي العديد من المباريات الحاسمة، لعب رايا دور المنقذ الحقيقي، من خلال سلسلة من التصديات الاستثنائية التي حافظت على نقاط ثمينة لفريقه في سباق اللقب.
تصديه المذهل أمام مانشستر يونايتد، وإنقاذه الحاسم ضد برايتون، إضافة إلى تدخلاته المؤثرة أمام تشيلسي ووست هام، كلها لحظات رسخت مكانته كأحد أكثر الحراس حسماً في أوروبا.
وخلال الموسم بأكمله، استقبلت شباكه 26 هدفًا فقط في الدوري، وهو رقم يعكس مستوى الثبات الكبير الذي قدمه طوال العام.
ولم يقتصر تألق رايا على البطولات المحلية فقط، بل امتد إلى دوري أبطال أوروبا، حيث واصل تقديم عروض مميزة خلال مشوار آرسنال القاري.
الحارس الإسباني خرج بشباك نظيفة في تسع مباريات من أصل 14 مواجهة أوروبية، وساهم بصورة مباشرة في وصول الفريق إلى المباراة النهائية.
هذه الأرقام جعلته يتفوق على العديد من الحراس الكبار في القارة، وأكدت أن نجاحه لم يكن مجرد نتيجة لمنظومة دفاعية قوية، بل انعكاسًا لمستواه الفردي الاستثنائي.
وبفضل تلك الإنجازات، أصبح رايا أحد أكثر الحراس احترامًا وتقديرًا في إنجلترا، حتى أن كثيرين هناك يعتبرونه أفضل حارس مرمى في العالم خلال الموسم الماضي.
رغم هذا التألق اللافت، وجد رايا نفسه مجددًا على مقاعد البدلاء مع منتخب إسبانيا. المفاجأة لم تكن في وجود منافسة قوية، بل في أن المدرب لويس دي لا فوينتي لم يُظهر أي نية حقيقية لإعادة النظر في اختياره الأول.
ففي المباراة الافتتاحية لإسبانيا في كأس العالم أمام كاب فيردي، فضّل المدرب الاعتماد على أوناي سيمون، رغم الانتقادات الواسعة التي سبقت البطولة والمطالبات المتزايدة بمنح الفرصة لرايا أو حتى خوان جارسيا.
هذا القرار أثار حالة من الاستغراب بين المتابعين، خصوصًا أن الحارس الذي يجلس على مقاعد البدلاء يُعد، وفقًا للكثير من المؤشرات، الأكثر جاهزية والأفضل أداءً خلال الموسم الماضي.
والجدل في إسبانيا لا يدور حول رايا فقط. فهناك أيضًا خوان جارسيا، حارس برشلونة، الذي قدم موسمًا رائعًا ونجح في فرض نفسه بين أفضل الحراس في الليجا.
ويرى كثيرون أن المنافسة الحقيقية على مركز الحارس الأساسي كان يجب أن تكون بين رايا وجارسيا، لا أن يبقى أوناي سيمون متربعًا على القمة دون منافسة حقيقية.
بل إن بعض المتابعين يعتقدون أن انتقال رايا إلى الدوري الإنجليزي وابتعاده عن الأضواء الإسبانية ساهم في تقليل حجم التقدير الذي يحصل عليه داخل بلاده، رغم المكانة الكبيرة التي يحظى بها في إنجلترا.
وقد أشار رايا بنفسه إلى هذه النقطة عندما كشف أنه خلال بداياته مع المنتخب كان بعض الأشخاص يتساءلون عن هويته، وهو أمر يعكس محدودية حضوره الإعلامي داخل إسبانيا مقارنة بما يقدمه على أرض الملعب.
والمفارقة الأكثر غرابة أن لويس دي لا فوينتي نفسه لا ينكر قيمة حارس أرسنال. بل إنه أشاد به علنًا قبل انطلاق كأس العالم، مؤكدًا أن رايا يحظى بتقدير هائل في إنجلترا، حيث يعتبره كثيرون أفضل حارس مرمى في العالم.
لكن هذه الإشادة لم تترجم إلى قرارات عملية. فعلى الرغم من الاعتراف بمكانته وجودته، بقي رايا الخيار الثاني أو الثالث في حسابات المدرب الإسباني، وهو ما زاد من حيرة الجماهير والمحللين.
في فترة سابقة، بدا أن رايا في طريقه لانتزاع المركز الأساسي. فخلال إصابة أوناي سيمون في معصمه خلال موسم 2024-2025، حصل حارس أرسنال على فرصة حقيقية لإثبات نفسه.
وشارك أساسيًا في معظم مباريات إسبانيا بدوري الأمم الأوروبية، وقدم مستويات جيدة للغاية، حافظ خلالها على نظافة شباكه في ثلاث مباريات. لكن بمجرد عودة سيمون إلى الملاعب، عاد كل شيء إلى ما كان عليه.
استعاد حارس أتلتيك بلباو مكانه الأساسي فورًا، بينما عاد رايا إلى مقاعد البدلاء، حتى خلال نهائيات دوري الأمم الأوروبية التي كان له دور كبير في الوصول إليها.
ومنذ ذلك الوقت، اقتصرت مشاركاته على مباريات محدودة، دون أن يحصل على فرصة حقيقية لتهديد موقع الحارس الأول.
أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا
عند البحث عن تفسير منطقي لهذا الوضع، يبدو أن الإجابة لا تكمن في الإحصائيات أو الأداء الفني. السبب الحقيقي هو الثقة المطلقة التي يمنحها دي لا فوينتي لأوناي سيمون.
منذ توليه تدريب المنتخب الإسباني عقب كأس العالم 2022، اعتمد المدرب على سيمون باعتباره الحارس الأول للمشروع الجديد.
وخلال هذه الفترة، ساهم الحارس في تتويج إسبانيا بلقب دوري الأمم الأوروبية ثم بطولة أمم أوروبا 2024.
لذلك، ينظر المدرب إليه باعتباره أحد الأعمدة الرئيسية للمنتخب، ويرى أن ما قدمه خلال السنوات الماضية يمنحه حق الاحتفاظ بمكانه.
دي لا فوينتي عبّر عن هذا الموقف بوضوح عندما أكد أن أوناي سيمون لاعب لا جدال حوله، وأن خبرته ومسيرته تستحقان الاحترام، مشددًا على أن بقية الحراس يمتلكون الجودة نفسها تقريبًا، لكن لكل شيء وقته المناسب.
رغم هذه المبررات، يواصل المشجعون التشكيك في صحة القرار. فعند مقارنة الأرقام، يبدو الفارق واضحًا لصالح رايا وجارسيا.
خلال الموسم الماضي، استقبل سيمون 73 هدفًا في مختلف البطولات، وهو رقم يفوق بأكثر من الضعف تقريبًا عدد الأهداف التي استقبلها رايا. كما أن نسبة حفاظه على نظافة الشباك جاءت أقل بكثير من منافسيه.
وفي مؤشرات منع الأهداف المتوقعة، وهي من أهم الإحصائيات الحديثة المستخدمة لتقييم الحراس، تأخر سيمون أيضًا خلف رايا وجارسيا بفارق ملحوظ.