خلف أسوار الصمت الصوفي، وبينما كان جلال الدين الرومي يسكب دم قلبه في نهر من الوجد، لم يكن يكتب للناس، بل كان يكتب لنفسه، وللعشاق.هناك، حيث تتوارى العبارة ويعلو الاحتراق، وُلد «ديوان شمس الدين التبريزي»؛ أو «الديوان الكبير»، بوصفه واحداً من أعمق تجليات التجربة الصوفية في الشعر الإنساني.هذا العمل الضخم، الصادر عن المركز القومي للترجمة في جزأين تحت عنوان «مختارات من ديوان شمس الدين التبريزي»، بترجمة وتقديم الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا، لا يُقرأ بوصفه تجميعاً لقرابة ستين ألف بيت من الغزل والرباعيات والقصائد، بل بوصفه سيرة عشق كاملة لا تغادر موضوعها فمهما تنوعت الأشكال، يظل الجوهر واحداً: العشق في جميع أحواله وصروفه، في وجدِه وجنونه، في موسيقاه التي لا تهدأ، وفي فكره السامي الذي يتجاوز حدود اللغة ذاتها.كان التبريزي، وهو ينظم هذا العمل الشعري الهائل، يكتب لمريديه، لكنه في لحظات الاسترسال كان يتوقف عند تخوم لا ينبغي البوح بها؛ كأن الكلمات تبلغ حافة السر فتلوذ بالصمت فالديوان، في جوهره، كتابة للنفس، وكتابة للعشاق، وكتابة لذلك المعشوق الذي لا يُحدّ باسم ولا يُختزل في صورة.في تجل فريد لروح التلمذة الصوفية، اختار الرومي أن يضع اسم شيخه ومرشده شمس الدين التبريزي على ديوانه؛ لا مجاملة ولا تقليداً، بل لأن شمس كان عنده مظهر العشق وتجليه الحي، واليد الآخذة إلى الطريق، حتى إن الاعتقاد الذي شاع طويلاً بأمية شمس أعيد النظر فيه بعد اكتشاف كتابه «المقالات»، بما كشف عنه من لغة راقية مكثفة تضاهي الشعر المنثور في حرارة وجدها.