في مخيمات غزة.. ولاعة السجائر أصبحت سبيلاً للبقاءفي المخيمات المترامية الأطراف بجنوب قطاع غزة، تحولت الولاعات البلاستيكية إلى سلعة نادرة وفاخرة على نحو غير متوقع، لا تقل أهمية عن الطعام والماء والوقود للبقاء على قيد الحياة.وبالنسبة لنسرين أبو سعادة، وهي أم لأربعة أطفال نزحت بسبب الحرب، أصبح إشعال النار لإعداد الطعام معاناة يومية في القطاع حيث لا يزال الغاز شحيحاً، وتعتمد العائلات على حرق الكرتون والبلاستيك وقطع الخشب لطهي وجباتها.وقالت: «الخيمة بدون قداحة (ولاعة) على الفاضي».وأضافت: «أصلاً ما فيش غاز 24 ساعة بنولع نار يعني القداحة ضرورية كثير في الخيمة».وقبل الحرب، كان بالإمكان شراء ثلاث ولاعات بلاستيكية مقابل شيقل واحد (0.33 دولار)، أما اليوم فقد ارتفع سعر الواحدة إلى 100 شيقل (32.55 دولار)، وهو مبلغ يفوق قدرة نسرين أبو سعادة (38 عاماً). وكانت تجلس إلى جانب موقد بدائي خارج خيمتها في خان يونس.وبعد ما يقرب من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في غزة، أدت ندرة السلع الأساسية إلى تحويل أشياء يومية بسيطة إلى مقتنيات ثمينة. وأصبحت الولاعات تتداول بين عشرات العائلات، وتنتقل من خيمة إلى أخرى قبل أن تتلف بفعل كثرة الاستخدام.إصلاح الولاعات أصبح عملاً تجارياًقالت نسرين: «يعني أنا لما بدي أجي أولع النار بستنى يعني حدا يولع النار أشوف وين مولع النار وباخذ الكرتون وبولع وباجي وما باجي إلا بتكون طفت النار تاني يعني الواحد بتطلع روحه قبل ما يولع النار».وأوجد هذا النقص فرصة عمل لحسن أبو لطيفة، وهو أب لثلاثة أطفال نزح بسبب الحرب، ويعمل على إصلاح الولاعات البلاستيكية المعطلة في كشك صغير.وقال الرجل البالغ من العمر 35 عاماً، الذي كان يعمل مهندساً زراعياً قبل الحرب: «هي مش مهنة أساساً لكن بسبب المعاناة وبسبب اضطرار الناس لها وحاجتنا احنا برضو للعمل اضطرينا أن نعمل بهاي المهنة يعني أنا كنت قبل الحرب أعمل مهندساً زراعياً الآن أعمل في صيانة القداحات اللي اجبرني على هذه المهنة حاجة الناس لإصلاح القداحات وحاجتي أنا للعمل».وأوضح أبو لطيفة، الذي كان يجلس محاطاً بصناديق من الولاعات التالفة وقطع الغيار المستعملة، أن ارتفاع الأسعار أجبر العائلات على إصلاح القداحات بدلاً من رميها وشراء غيرها.وألحقت الحرب دماراً واسعاً باقتصاد غزة. وتقول وكالات تابعة للأمم المتحدة إن معدل البطالة في القطاع تجاوز 80 في المئة، فيما اقتربت معدلات الفقر من 100 في المئة بعد أن قضى الصراع على معظم الأنشطة الاقتصادية ودمر البنية التحتية في أنحاء القطاع.وأدى وقف إطلاق نار توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر/ تشرين الأول إلى توقف العمليات القتالية إلى حد كبير، لكنه لم يضع حداً للهجمات الإسرائيلية، التي تقول إنها تستهدف حركة حماس ومسلحين آخرين في غزة تعتبرهم تهديداً وشيكاً.«فيه قداحة فيه شغل مفيش قداحة الشغل حيقف»ولا تزال كميات المساعدات التي تدخل إلى القطاع محل خلاف. ويقول المكتب الإعلامي التابع لحكومة غزة: إن الإمدادات تقل كثيراً عن الاحتياجات الفعلية للسكان، بينما تؤكد وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الجهة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن الشؤون المدنية والإنسانية في الأراضي الفلسطينية، أن شحنات الغذاء التي دخلت غزة منذ سريان وقف إطلاق النار تجاوزت الاحتياجات التي حددها برنامج الأغذية العالمي.وبالنسبة لافتخار الكفارنة، وهي نازحة وأم لستة أطفال تعمل في إعداد الخبز في فرن تقليدي لكسب المال، أصبحت هذه الأداة الصغيرة ضرورية لكسب رزقها.وقالت «يعني الحين لو فيه قداحة فيه شغل فيش قداحة الشغل حيقف يعني بقعد ثلاث أربع ساعات من غير شغل».