في أواخر سبتمبر كانت ناقلتان تبحران في البحر الأحمر نفسه. الأولى مرتبطة بالسعودية، ودفع مالكها علاوة مخاطر حرب تقارب 3 % من قيمتها إن حمّلت من ينبع، وتصل إلى 7 % إن قصدت ميناءً جنوبه. والثانية لا صلة لها بالمملكة، ودفع مالكها ما بين اثنين وثلاثة من الألف. هذه الأرقام نقلتها رويترز في 25 سبتمبر عن أربعة مصادر في سوق التأمين. وأكد وسيط تأمين في لندن أنه رأى أسعاراً «فوق 7 % لكل رحلة جنوب ينبع».
الفارق بين الرقمين ليس فارقاً في الخطر الملاحي، فالبحر واحد. إنه فارق في العَلَم. ومن يقرأه جيداً يجد فيه جواب السؤال الذي تدور حوله حرب الأسابيع الأخيرة: من يكتب قاعدة العبور في باب المندب؟
منذ أن أُغلق هرمز عملياً في مارس، صار البحر الأحمر رئةً ثانية لصادرات الخليج. النفط يخرج عبر خط الشرق – الغرب إلى ينبع، ثم يتجه شمالاً إلى السويس أو جنوباً إلى باب المندب. وبحسب بيانات «كبلر» التي نقلتها شبكة «سي بي إس» مطلع أكتوبر، صار نحو 40 % من صادرات المنطقة يلتفّ على هرمز، والبحر الأحمر طريقه الأول.
في هذا السياق أعلن الحوثي في 20 يوليو حصاراً «انتقائياً» على السعودية وعلى الشحن المرتبط بها. لم يكن الإعلان موجهاً إلى باب المندب بوصفه ممراً عالمياً، بل إلى البديل الذي يعوّض إغلاق هرمز.
الأرقام تقول ذلك بوضوح. بيانات منصة «بورت ووتش» التابعة لصندوق النقد الدولي تُظهر أن عبور الناقلات في باب المندب، بين 11 سبتمبر و3 أكتوبر، كان عند 31 % من مستواه في 2023. وفي الفترة نفسها بقيت قناة السويس عند 62 %، وارتفعت زيارات السفن لعدن إلى 168 % من مستواها، وحافظت جيبوتي على 97 %. أما ميناء الملك فهد في ينبع فهبط إلى 1 %، وجدة إلى 17 %. هذا ليس إغلاقاً لمضيق، بل فرزٌ لعَلَم.
سجّلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية ثماني حوادث أمنية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن بين 22 يوليو و24 أغسطس. ثم قالت في نشرتها العامة في 25 سبتمبر إنه لم يُسجَّل أي هجوم بمقذوف على سفينة منذ 24 أغسطس. ومع ذلك استمر العبور في الهبوط شهراً كاملاً. السفن لم تتجنب الممر لأنها ضُربت، بل لأن قاعدة أُعلنت.
لكن الإعلان وحده لا يرفع تكلفة رحلة، فالتكلفة تُكتب في غرفة أخرى. في 29 يوليو أصدرت لجنة الحرب المشتركة في سوق لندن للتأمين التعميم JWLA-034، فنقلت حدّ «المنطقة المدرجة» في البحر الأحمر من خط العرض 18 شمالاً إلى خط 25.5 %، أي نحو 830 كيلومتراً شمالاً. فدخلت جدة وميناء الملك عبدالله وينبع في نطاق الخطر، ولم يُعدَّل ذلك الحد منذئذ. لا تجلس في تلك اللجنة حكومة، وقراراتها ليست ملزمة قانوناً، لكنها تُترجم مباشرة إلى سعر يدفعه كل شاحن.
وهكذا اكتملت الحلقة: قاعدة يكتبها طرف لم يوقّع على أي اتفاقية للملاحة، وتقيسها جهات بحرية متعددة الجنسيات، وتنفّذها سوق تأمين في عاصمة بعيدة. والدولة الساحلية غائبة عن الحلقات الثلاث.
في 4 أكتوبر أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي عملية «فجر اليمن». وفي اليوم التالي نقلت رويترز استعادة القوات الحكومية مطار ذوباب ومواقع مشرفة على المضيق. ومن يمسك ذوباب يرى كل سفينة تعبر.
غير أن المضيق خمس نقاط لا نقطة واحدة. ذوباب للمشاهدة. وكهبوب مرتفع يضرب البر والبحر. والمخا ميناء الإمداد. ومعسكر العمري الحامية التقليدية. وميون حجر في الحلق، من يملكه يملك إمكانية الإغلاق المادي. وحتى العاشر من أكتوبر كانت ميون ما زالت بيد الحوثي، بحسب مصادر حكومية يمنية نقلتها فرانس برس. وأكدت ذلك مذكرة مركز المعلومات البحرية المشترك في 8 أكتوبر، وأدرجت المخا كذلك تحت سيطرته. وفي يوم انطلاق العملية نفسه قطع الحوثي طريق تعز – عدن عند الصافية.
وجاء الرد الحوثي حيث التكلفة أعلى والدفاع أصعب، على المطارات لا على الساحل. وقعت ثلاث ضربات على مطاري أبها والملك خالد في خمسة أيام، آخرها مساء 10 أكتوبر. وبحسب الهيئة العامة للطيران المدني، قتلت تلك الضربة 12 شخصاً من ثماني جنسيات وأصابت 309. وحين سُئل الرئيس الأمريكي عن مشاركة بلاده في الضربات قال: «ربما. سننظر في الأمر».
علاوة الثلاثة بالمئة لا تؤلم الحوثي، لأنه ليس من يدفعها. تدفعها الناقلة السعودية والمنتج المرتبط بالأسواق. فهي في يده أداة لا ثمن، ومن انتظر أن تُرغمه على شيء أخطأ القناة.
ماله يُصنع في الداخل. قدّرت دراسة لمركز المخا للدراسات الاستراتيجية في يوليو أن منظومة الجباية الحوثية تدرّ نحو 2.5 مليار دولار سنوياً، منها نحو 800 مليون من الضرائب والجمارك و600 مليون من الجبايات الإضافية. وتقدّر الخزانة الأمريكية أن مبيعات النفط غير المشروعة تدرّ عليه أكثر من ملياري دولار سنوياً، وبعضه شحنات تصله من إيران. وقد سحب في الأشهر الأخيرة تراخيص 4.225 وكالة تجارية، بحسب مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. وهذا يحوّل السوق إلى شبكته، لكنه لا يفتح له اعتماداً بنكياً واحداً.
قنوات ألمه إذن ثلاث: المرفأ الذي يجبي منه، والوقود الذي يحتكره، والمصرف الذي لا يستطيع أن يفتح بابه الرسمي. والأولى مقيسة. فبيانات «بورت ووتش» نفسها تُظهر أن محطة رأس عيسى للوقود لم تسجّل زيارة سفينة واحدة تبث إشارة تتبع منذ 20 يوليو، وأن الحديدة هبطت بين 11 سبتمبر و3 أكتوبر إلى 18 % من مستواها. مع تحفّظ واجب، فالسفن التي تطفئ إشارتها لا تظهر في البيانات.
والثالثة لها سابقة. ففي صيف 2024 ألزم البنك المركزي في عدن البنوك بنقل مقارّها من صنعاء، فردّ الحوثي بتهديد صريح للبنوك والمطارات السعودية. وانتهى الأمر باتفاق أعلنه المبعوث الأممي في 23 يوليو 2024 ألغى تلك الإجراءات. تلك هي المرة الوحيدة التي انتزع فيها تراجعاً بالتهديد وحده، والقناة التي حرّكته كانت المصارف، لا البحر.
غير أن قنوات ألمه هي نفسها شرايين الناس الذين يحكمهم. فالمرفأ يُدخل القمح كما يُدخل الجباية، والوقود يُدير المضخات كما يموّل الجبهات. ولذلك لا يكون الضغط عليها مشروعاً إلا إذا رافقه ممرّ إنساني يُقاس ويُعلن.
ما يُعيد الناقلة ليس السارية المرفوعة على المطار، بل إذنٌ معلن، وقياس منشور، وسعر ينزل. وما يُرغم الحوثي ليس السعر، بل الضغط حيث يعيش. ومن هنا تأتي الخطوات العملية:
أولاً، تقرير دوري منشور لأمن الممر تصدره الدولة الساحلية وشركاؤها. يرصد العبور والحوادث وحالة النقاط الخمس بمصادر قابلة للتحقق، فالسوق لا تخفض السعر لبيان، بل لقياس.
ثانياً: جهة وطنية تملك ملف لجنة الحرب المشتركة، تتابع تعاميمها وتقدّم إليها بيانات المسار السعودي.
ثالثاً: شفافية في بيانات التحميل من ينبع، فالفجوة بين الرواية الرسمية وجهات الرصد البحري تقرؤها السوق خطراً وتسعّره.
رابعاً: توجيه الضغط إلى قنوات ألمه لا إلى البحر الذي يستعمله: الموانئ التي يجبي منها، وخطوط تموينه الخارجية، وبابه المصرفي الرسمي. على أن يرافق ذلك ممر إنساني مقيس، تُنشر أرقامه كما تُنشر أرقام العبور.
خامساً: توسيع اتفاق مكة من درع للمدن إلى حماية للممر. وقد أعلنت أنقرة في 8 أكتوبر أنها تدرس الإسناد الدفاعي وتستبعد الهجوم، والمراقبة البحرية والمرافقة هي الصيغة التي تمسّ الممر نفسه.