لا يمكن استيعاب حدث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والرد الإسرائيلي عليه، دون وضعهما في سياقهما التاريخي.فمن الجانب الفلسطيني، اندرج ذلك الحدث في سياق مقاومة مستمرة للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ حزيران/يونيو 1967، بل لعله يندرج في سياق مقاومة متواصلة للمشروع الصهيوني منذ مطلع القرن العشرين.بيد أن ذلك الحدث الفلسطيني رافقته مظاهر سلبية أضرّت بعدالة القضية الفلسطينية وطابعها الإنساني، تمثلت في استهداف المدنيين الإسرائيليين وفي عمليات خطف عشوائية، وهو ما أقرّت به، إلى حد ما، حركة "حماس" في مراجعتها النقدية الصادرة في 21 كانون الثاني/يناير 2024 بعنوان "هذه روايتنا. لماذا طوفان الأقصى؟". وهي مراجعة تحتاج اليوم إلى تعميق من خلال الرد على أسئلة من نوع: هل أعدّت قيادة الحركة عمليتها بصورة دقيقة؟ هل توقعت ردّ الفعل الإسرائيلية عليها؟ هل هيّأت للمجتمع الغزي وسائل الصمود في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية؟من الجانب الإسرائيلي، اندرجت حرب الإبادة على قطاع غزة كذلك في سياق تاريخي، ذلك أنه منذ مطلع الألفية الثالثة راحت تتبلور في إسرائيل "صهيونية جديدة"، ذات طبيعة قومية ودينية، اعتبرت حرب سنة 1948 غير منتهية، وأن الصراع مع الشعب الفلسطيني صراع وجودي ولا حل له، وأن عليها أن تفرض الاستسلام الكامل على هذا الشعب الفلسطيني، وشنّت عليه حرباً واسعة، في ربيع سنة 2002، في الضفة الغربية المحتلة، وخمس حروب، منذ سنة 2008-2009، في قطاع غزة.بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ما عاد المشروع الصهيوني يقتصر على فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني، وصار يشمل كذلك القضاء على مقومات وجود الشعب الفلسطيني فوق أرضه تمهيداً لترحيله منها، طوعاً أو بالقوة.إن المهمة المركزية اليوم هي النضال من أجل توفير مقومات صمود الفلسطينيين والفلسطينيات فوق أرضهم، وهي مهمة تتطلب وحدة القوى الفلسطينية كافة، وتحتاج إلى شكل نضال مناسب لا يتمثّل في الكفاح المسلح وإنما في المقاومة الشعبية غير المسلحة، على أن يترافق ذلك مع مواصلة النضال على طريق تدويل القضية الفلسطينية وفرض المزيد من العزلة الدولية على إسرائيل.