في محافظة تُصنّف بين الأفقر على مستوى الجمهورية، أشعل تبرع بقيمة 250 ألف جنيه لرعاية الكلاب الضالة موجة غضب وسخرية، وتحول من لفتة “إنسانية” إلى قضية رأي عام تُعيد طرح السؤال الأهم: أين تذهب الأولويات؟
في الوقت الذي كان فيه اللواء عبد الله عبد العزيز محافظ بني سويف يبحث مع النائب إسماعيل موسى وقيادات التضامن الاجتماعي توسيع دور المجتمع المدني في دعم الملفات الخدمية، خرج القرار بفتح حساب رسمي ببنك القاهرة (رقم 06194030000010) لتلقي التبرعات لصالح رعاية الكلاب الضالة، تمهيدًا لتفعيل المبادرة خلال أيام.
لكن على الأرض، لم يُستقبل هذا التحرك بالترحيب المتوقع، بل فجّر موجة غضب بين المواطنين، الذين رأوا أن الحديث عن “تعظيم دور المبادرات” لا ينعكس على أولوياتهم اليومية، في ظل ضغوط معيشية قاسية. وبينما تؤكد الجهات الرسمية أهمية المشاركة المجتمعية، يرد الشارع بسؤال مباشر: أين نصيب الإنسان من هذا التعظيم؟
“إحنا مش ضد الرحمة بالحيوان… بس الرحمة بالبني آدم أولى. في بيوت بتنام من غير عشا!” عامل يومية، الواسطى “لو الفلوس دي اتصرفت على علاج الغلابة أو ديون الغارمين، كانت فرحت ناس كتير.”ربة منزل، بني سويف “الكلاب الضالة خطر، والتطعيم والتعقيم مهمين… بس في نفس الوقت في ناس محتاجة تاكل. ليه مايبقاش فيه توازن؟” موظف حكومي “عمال النظافة أولى بمكافآت… دول شايلين شغل تقيل برواتب ضعيفة.”شاب، ببا “اللي بيحصل ده بيستفز الناس… لأنهم مش شايفين تحسن في الخدمات الأساسية.” سائق ميكروباص
الملف ليس أبيض أو أسود. فالتعامل العلمي مع الكلاب الضالة من خلال التعقيم والتطعيم يقلل من المخاطر الصحية وحوادث العقر، وهو جزء من منظومة السلامة العامة.
لكن في المقابل، يطالب مواطنون بأن تكون الأولوية المعلنة والملموسة لدعم الأسر الأولى بالرعاية، وتحسين الخدمات الصحية، ورفع كفاءة المرافق، دون أن يتحول أي ملف آخر إلى سبب في غضب الشارع.
كم يُنفق فعليًا على برامج الدعم الاجتماعي؟ما حجم المخصصات للصحة والتعليم داخل المحافظة؟وأين يندرج هذا التبرع ضمن خريطة الإنفاق الكلية؟غياب الإجابة الواضحة هو ما يغذي الجدل… لا المبلغ وحده.القضية لم تعد “كلاب أم بشر”، بل ثقة مواطن يبحث عن أولويات واضحة.الشفافية وحدها قادرة على تهدئة الغضب: أرقام معلنة، خطط متوازنة، ورسالة صريحة تقول إن الإنسان أولًا… دون أن تسقط إنسانيتنا تجاه أي كائن حي.